خلال أيام عيد الفطر المبارك في اليمن، تجلت مشاهد مختلفة في وطن أنهكته الحرب والظروف القاسية. فالأطفال، بأزيائهم الزاهية وضحكاتهم التي تصدح في الأزقة والطرقات، يواجهون واقعًا مليئًا بالتحديات، حيث تحاول الأسر أن تصنع لهم لحظات سعيدة رغم الألم وقيود الحياة الصعبة.
يخرج المواطنون للاحتفال بفرحة العيد بأبسط الإمكانيات، يزورون أرحامهم رغم ضيق الحال، ويتبادلون التهاني التي تحمل التحدي وتصنع جسورًا من الأمل. الكعك والحلويات، رغم بساطتها، أصبحت رمزًا للتغلب على الواقع الصعب، إذ تتفنن ربات البيوت في إعدادها بما توفر لديهن من مكونات، متحديات الارتفاع المستمر في الأسعار وشح الموارد.
عيد بروح مختلفة
على امتداد صباحات العيد، يفتح عبد الرحمن مكبرات صوت سيارته في شوارع الحي الذي يقطنه بصنعاء كما اعتاد كل عام، ناشرًا أنغام الأغنية العيدية المألوفة لدى اليمنيين، والتي تحمل كلماتها الكثير من الشجن: "أنستنا يا عيد". لكن هذا العيد كان مختلفًا. أغنية جديدة امتزجت بالمشاعر الوطنية، إذ صدح مكبر صوت عبد الرحمن بأغنية "أنا دمي فلسطيني"، فيما رفرف علم فلسطين على مقدمة سيارته، في مشهد يعكس ارتباط القضية الفلسطينية بوجدان الناس حتى في لحظات فرحهم الخاصة.
وفي زاوية أخرى من الحي، تفتح الخالة أم محمد باب منزلها لاستقبال أطفال الجيران. بطريقتها البسيطة، تبتكر لهم لحظات من الفرح، فتقدم لهم هدايا مغلفة بشكل مميز (مائة ريال من العملة المعدنية الجديدة وقطعة حلوى)، داعية إياهم لاختيار أرقام تحدد هديتهم. بذلك، تخلق لحظات من المرح والتشويق لا تقل عن بهجة العيد الحقيقية. رغم بساطة الفكرة، إلا أنها تحولت إلى طقس سنوي ينتظره الأطفال بشغف، ويضفي على العيد دفئًا إنسانيًا.
فقدان وغياب
العيد لا يحمل السعادة للجميع. بالنسبة لجميلة، هذا العيد هو الأول بدون والدتها وأختها، اللتين رحلتا في العشر الأواخر من رمضان. منزلها، الذي كان يعج بأحاديث والدتها، أصبح موحشًا، وزوايا البيت فارغة من حضورها المعتاد. لم يتركها نساء الحي وحدها في هذه المناسبة، فتوافدن إلى منزلها في محاولة لمواساتها، لكن الفراغ كان أكبر من أن يُملأ بالكلمات.
وفي مكان آخر من صنعاء، تواجه أحلام عيدًا مختلفًا، حيث تستمر معاناتها مع غياب زوجها، الذي اعتقلته جماعة الحوثي قبل عدة أعوام بتهم جزافية، كما هو حال العشرات من أقرانه.
ورغم الانتظار الطويل، تحاول أحلام أن تصنع أجواءً دافئة لأطفالها، فتخبز الكعك، وتشتري لهم ملابس وهدايا، في محاولة لتثبيت شعور الفرح وسط واقعها الحزين.
عدا أسرة أحلام، تعاني عائلات العشرات من الناشطين والصحفيين وموظفي المنظمات الإغاثية والإنسانية، ممن اعتقلتهم جماعة الحوثي، أوضاعًا بائسة في فترة العيد التي تُعتبر وقتًا للتجمعات العائلية والفرح. وبالتالي، فإن غياب هؤلاء الأشخاص عن أسرهم في هذه المناسبة يزيد من الشعور بالوحدة والحزن، مما يؤثر على الأجواء العامة للعيد.
عبء ثقيل في عدن
وفي مدينة عدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها، بدا العيد هذا العام عبئًا ثقيلًا على كثير من الأسر، جراء تردي الوضع الاقتصادي وانهيار سعر العملة المحلية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية للعيد.
مع استمرار تدهور قيمة الريال اليمني، أصبح شراء ملابس العيد والهدايا للأطفال أمرًا بعيد المنال بالنسبة للعديد من العائلات، حيث يعاني المواطنون من ضعف القدرة الشرائية وعزوف شبه كامل عن الأسواق.
هذا الوضع يعكس واقعًا مريرًا، حيث يغيب الفرح وتطغى مشاعر اليأس والإحباط على وجوه الناس الذين كانوا في الماضي يستقبلون العيد بالزينة والبهجة.
عيد ومرض
بالنسبة لمعاذ (٣٥ عامًا)، العيد يحمل له ألمًا مضاعفًا، فهو يقضيه بعيدًا عن وطنه وأسرته، بعد أن اضطر لمغادرة مدينته "إب" متوجهًا إلى القاهرة بحثًا عن العلاج لمرض السرطان، الذي استوطن جسده كما استوطن الوطن، المنهك بزعامات تفتقر للمسؤولية.
وعلى الرغم من الانتشار المخيف وغير المسبوق للسرطان في اليمن، إلا أن القيادات اليمنية بمختلف اتجاهاتها لا تحرك ساكنًا إزاء ذلك، وتنشغل في نزاعات لا تخدم إلا مصالحها الشخصية ورغبات مشغليها الخارجيين.
هذا التجاهل لأوجاع آلاف اليمنيين الذين يقتلهم السرطان ليس فقط انعكاسًا لغياب الكفاءة، بل هو أيضًا دليل على انعدام الإنسانية.
ورغم محاولات قريب معاذ لإضفاء جو من العيد عبر تقديم الحلوى وتشغيل الأغاني العيدية، إلا أن معاذ يرد بابتسامة باهتة: "العيد عيد العافية". يشعر بأن فرحته منقوصة، حيث يفتقد دفء العائلة وروتينه اليومي في بلاده.