صنعاء 19C امطار خفيفة

الدولة الزيادية بين الأكوع والحضرمي

للأستاذ الجليل المؤرخ عبد الرحمن الحضرمي مؤلفات تاريخية قيمة في تاريخ زبيد وتهامة ومسجد الأشاعر إلا أني لم أقرأ له سوى بعض مقالات كانت تنشر في «مجلة الإكليل»، التي كان يرأس تحريرها الوالد الأستاذ محمود الصغيري -حفظه الله-؛ فمنها مساجلاته مع مؤرخ اليمن القاضي محمد بن علي الأكوع -رحمه الله-، فيما يخص الدولة الزيادية التي حكمت اليمن، وكانت عاصمتها زبيد. 

 
كان القاضي الأكوع يشكك في مبدأ وجودها التاريخي، ويرد على عمارة الحكمي؛ حيث تحدث عنها في تاريخه «المفيد في أخبار صنعاء وزبيد»، وكان القاضي الأكوع يُغِّلط عمارة؛ وهو من أقدم المؤرخين اليمنيين الذين أتوا على ذكر هذه الدولة، كما أنه يحمله ما وقع فيه المؤرخون الذين أتوا بعده كالجندي والخزرجي وابن الديبع؛ فضلاً عن الذهبي وابن كثير الذين يصفهم القاضي محمد بأنه: "نسج أخبارهم بخيط من الخيال". 
 
ويذكر القاضي محمد أنَّ خيال عمارة الحكمي كان واسعًا بذكره لآل زياد وولايتهم على اليمن، وكأنه ينسب إليه كِبْر ذكر هذه الدولة وتولي إفكها من تلقاء نفسه. 
 
ويعول القاضي محمد على عدم وجود أي ذكر لمحمد بن عبد الله بن زياد الذي ذكره عمارة في تاريخه فيمن عينهم المأمون على اليمن، ابتداءً من تاريخ الطبري ثم ابن الأثير، وللقاضي الأكوع بعض الحق فيما ذهب إليه؛ لاضطراب تواريخ آل زياد ونسبتهم، لكن هل عدم الذكر يقدح في عمارة؟! 
 
وهل هذا ينفي وجود الدولة من رأسها، وينفي بعض ملوكها؟! 
 
لا يظن بعمارة أنه جاء بهذه الأخبار من رأسه، فلا شك أنه اعتمد على وثائق تاريخية كانت متوفرة لديه، ربما كان أصلها روايات شفوية لدولة طال الأمد بها، وفقدت وثائقها بسبب طبيعة الجغرافيا التي لا تبقي شيئًا من الرقوق والمخطوطات، ثم لا يبقى منها إلا أحاديث يتناقلها الناس ثم يدونونها ويعتمدونها؟! 
 
ويتجلى بعض هذا الحق مع القاضي محمد إذا ما أخذنا سلسلة ملوك آل زياد من تاريخ المفيد مع سلسلة الخلفاء العباسيين، ابتداءً من المأمون العباسي (ت: 218هـ)، وانتهاء بالمطيع العباسي (363هـ)، حيث نجد تعدادهم 17 خليفة، بينما نجد أنَّ الرسالة التي كتبها الصابي -والتي وقفت عليها- عن الخليفة المطيع العباسي إلى أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زياد (ت: 391هـ)؛ وأبو الجيش هو حفيد محمد بن عبد الله بن زياد. فهو إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد- نجد أن ليس بين إسحاق وجده محمد بن زياد إلا أب واحد فقط. 
 
فأين هذا مما يذكره عمارة -رحمه الله- أنَّ محمد بن زياد كان في عصر المأمون؟! لا شك أنَّ هذا خطأ ظاهر. 
 
ولا شك أيضًا أن القاضي الأكوع تسرع في نفي شخصية أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد حين أتى على ذكره في تحقيقه على تاريخ عمارة المفيد؛ حيث قال في هامش ص (53): أنه شخصية خيالية!! وسيأتي أيضًا ما ينقض كلامه. 
 
كما أنه أخطأ في نفس الصفحة أنَّ الحرملي هو قائد إبراهيم بن زياد، وكيف يكون قائداً له، وقد سبق أن ذكر عن المسعودي أنَّ إبراهيم بن زياد هو صاحب الحرملي، وكان يتولى له وادي نخلة ما بين الجند وزبيد؟! 
 
وقد استنبط الوالد الأستاذ زيد الوزير أنَّ القاضي الأكوع لم يقرأ سيرة الهادي كاملاً؛ لذلك وقع في بعض الأخطاء التي تعقبها عليه من واقع السيرة نفسها. 
 
ويذكر القاضي الأكوع عن المسعودي (ت: 346هـ) الذي زار اليمن سنة (332)؛ في كتابه مروج الذهب أثناء تحقيقه على تاريخ السلوك للجندي: (أنَّ وادي نخلة ما بين الجند وبلاد زبيد، كان أميرها سنة 332 إبراهيم بن زياد صاحب الحزملي. 
 
ويذكر الأكوع عن الطبري صاحب تاريخ صنعاء أنَّ ولاية إبراهيم بن زياد سنة (313هـ)، ووفاته سنة (343هـ). 
 
وأنه خطب للأمير أبي الجيش وبويع له يوم الجمعة لست عشر يومًا من ربيع الآخر من هذه السنة. (المفيد بتحقيق الأكوع، ص53). 
 
وفات الأكوع أنَّ المسعودي ذكر الحرملي في موضع آخر بعد توليه زبيد فقال: "وصاحب زبيد في وقتنا هذا إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي، ومراكبه تختلف إلى ساحل الحبشة، وتركب فيها التجار بالأمتعة". 
 
ووقف القاضي الأكوع عند هذا الخيط. فمن هو الحزملي الوارد في مروج الذهب بالزاي؟! 
 
من المرجح أنه إبراهيم بن محمد الحرملي -بالراء- الوارد في ملحق سيرة الإمام الهادي: 2/ 792، تحقيق حمود الأهنومي الذي كان قائدًا من قواد السلطان (لعله الخليفة العباسي المقتدر الذي تولى الخلافة بعد وفاة المكتفي سنة 295هـ، وليس المقصود بالسلطان: إبراهيم بن زياد كما ظن ووهم المؤرخ الأكوع)، والزيدية لا ينعتون بني العباس بالخلفاء وإنما يصفونهم بالسلطنة. 
 
تولى الحرملي زبيد بعد وفاة زميله ملاحظ الرومي (ت: 303هـ)، وتحديدًا بعد قيام عبد الله بن أبي الغارات المجيدي الذي قام عقب وفاة ملاحظ، ثم لم يستمر قيامه سوى خمسين يومًا. (ملحق سيرة العلوي، تحقيق حمود الأهنومي: 2، ص792). 
 
وملاحظ الرومي هو الذي تولى زبيد بعد عزل محمد بن مظفر الذي تولى مؤقتًا بعد وفاة أبيه مظفر بن حاج متولي زبيد، والمتوفي فيها في شوال سنة (298هـ). 
 
أمَّا مظفر بن حاج، فقد ذكره المؤرخون اليمنيون بحسب ذكر القاضي الأكوع، كما ذكره أيضًا الطبري في تاريخه في حوادث سنة (290هـ)، وذكر خبر عزله عن طرسوس لشكاية أهل الثغور به من قبل المكتفي العباسي (ت: 295). (تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية: 5/ 644). 
 
ويذكر الأكوع (هامش6: المفيد)، ص 52 أنَّ الناصر كره حرب الحرملي؛ لئلا يقع عند السلطان أنه يحارب قائده". ولا شك أن المقصود بالسلطان هو الخليفة العباسي. لا كما ظن الأكوع أنَّ المراد بالسلطان هو إبراهيم بن محمد بن زياد. 
 
وكان الأستاذ المؤرخ الدكتور عبد الرحمن الشجاع كتب مقالاً في الإكليل توسط بين الأستاذين: الحضرمي، والأكوع في هذه القضية، قرأته قبل عشر سنوات أو أكثر ناقش هذه المسألة، وعهدي بها قديم ولم أعد أذكر ما جزم به. 
 
وكنت بحثت عن عدد الإكليل الذي ورد فيه مقال الأستاذ الدكتور الشجاع فلم أجده. 
 
أمَّا إبراهيم بن محمد بن زياد فلم يذكر في ملحق سيرة الهادي (حوادث سنة 292هـ)، كما توهم القاضي الأكوع، وقد رجح الدكتور الأهنومي في الهامش (7)، جزء 2، ص 769 أنه إبراهيم بن محمد بن علي العكي الذي مر ذكره في أشعار الإمام الهادي. والله أعلم، وكان حاكمًا هو وأخوه محمد بن علي على الكدراء والمهجم، وواجها ابن الفضل ثم وليا له زبيد والمهجم والكدراء، وبعد وصول مظفر بن حاج تم طردهما من قبله، ثم من قبل خليفته ملاحظ الرومي عام (299هـ)، والتحقا بالمعافر، كما ينقل الأهنومي عن الهمداني في صفة جزيرة العرب، والطبري صاحب تاريخ صنعاء. (ملحق سيرة الهادي، بتحقيق الدكتور الأهنومي: 2/ 677). 
 
وهذا يضعف ما ذهب إليه الأكوع أن إبراهيم بن محمد المقصود به ابن زياد، 
 
وقد يكون القاضي محمد تعلق بما جاء في ملحق سيرة الهادي (حوادث سنة 292هـ): أن "القرامطة قد ظهرت باليمن، وملكوا الشرف، وطمام، وجبل مسور، وحاربوا جعفر بن إبراهيم المناخي، وأخرجوه من بلده وملكوها في النصف من ربيع الأول سنة اثنين وتسعين وميتين، وهرب هو وولده وأهل بيته إلى موضع يقال له القرتب بناحية زبيد، فسأل إبراهيم بن محمد على أن ينصره، فلم يفعل فعاد إلى طرف بلاده". (سيرة الإمام الهادي، تحقيق الدكتور حمود الأهنومي: 2/ 769). 
 
وأين هذا من تاريخ مظفر بن حاج المتولي من قبل العباسين سنة 298هـ، وأين إبراهيم بن محمد الحرملي الذي يصفه صاحب تكملة سيرة الهادي بأنه من قواد السلطان مع ملاحظ، ومَنْ تولى الأمر بعد وفاته في سنة (330هـ)؟ (انظر ملحق السيرة، تحقيق الأهنومي، (2/ 792. 
 
فالحرملي هو الذي كان يلي له إبراهيم بن زياد وادي نخلة بحسب نص المسعودي الذي يورده الأكوع. 
 
ثم ذكر المسعودي نصًا آخر لم يذكره الأكوع وذكره الأهنومي أنه صاحب زبيد. وهذا يعني أنه أول ملوك الزياديين على اليمن وتهامة لخلفاء بن العباس. 
 
وها أنا أقف على وثيقة قد تكون فصلاً في محل النزاع، وردت في كتاب «المختار من رسائل الصابي»، بتحقيق الأمير شكيب أرسلان، حيث أورد فيها رسالة كتبها الصابي (ت: 384هـ) الذي كان يتولى دواوين الرسائل والمظالم للمطيع لله العباسي (ت: 364). 
 
كتب الصابي هذه الرسالة عن الخليفة العباسي المطيع لله إلى أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زياد (ت: 391هـ) صاحب اليمن في أمر أبي الحمد: داود بن أحمد العلوي الحسني الحجازي. 
 
ومن هذه الرسالة مع ما سبق قد يستدل بأنَّ مبدأ دولة آل زياد، إمَّا بإبراهيم بن محمد بن زياد الذي ذكره المسعودي، وذلك بعد ولاية رئيسه إبراهيم بن محمد الحرملي، أو بابنه أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد الذي لدينا بشأن توليه على اليمن من قبل الخليفة العباسي المطيع لله نص قاطع، والله أعلم. 
 
وهذا نص الرسالة: 
 
" أمّا بعد.. فإنَّ أمير المؤمنين، وإن عمَّ أهله برعايته، وشملهم بكنافته، وسوَّى بينهم فيما يمتد عليهم مِنْ ظِلِّه، وينزلهم به من إحسانه وطوله- يرى أن يخصَّ أماثلهم بفضل التقديم والاجتباء، ويزيدهم من الأثرة والاصطفاء؛ إنصافًا إلى التطبيق بينهم، وعدلاً في الترتيب لهم؛ وليعلموا أنَّ غايات المنازل عنده لا تُدرَك، ونهاياتها لا تبلغ إلا باجتماع شرف الأخلاق إلى شرف الأعراق، وكرم الآداب؛ فيتنافسوا من الفخر في أعلاه، ويحرصوا على السبق إلى مداه. والله يهب لأمير المؤمنين في ذلك، وفي سائر ما يأتي وما يذر، ويورد ويصدر توفيقًا يجري فيه على أفضل العادة وأحسن الشاكلة، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل. 
 
ولمَّا ورد داود بن أحمد العلوي حضرة أمير المؤمنين تصفح أحواله، فعلم سدادها، وتأمل مذاهبه، فعرف رشادها، ووجد فيه مُصطنعًا، ورآه للعارفة موضعًا؛ فرتبه مع أعيان أهله، وقدمه إلى غاية، مثله وأبان عن رأيه في اختصاصه، ومعتقده في استخلاصه، وأمر له من جليل حِبائه، وجزيل عطائه بما شاع خبره، وظهر أثره؛ صلةً لِرَحِمِه، وقضاءً لحقه، وقيامًا بالواجب فيه له، وعرف أمير المؤمنين منه في عُرْض المفاوضة، وأضعاف المباحثة حالك في مساعيك الصالحة، وآثارك الواضحة، ومذاهبك المحمودة، ومواقفك المشهودة في نصرة الدين، وحياطة تلك الأصقاع من الضلال والمعرة، وتهذيبها من الفساد والمضرَّة؛ فوقع ذلك من أمير المؤمنين موقعًا زادك من جميل رأيه، وأفادك الزلفى لديه، ورأى أن يذكره لك؛ لتستمر على ما اقتضاه، وتدوم على ما استدعاه، وتعرف لداود بن أحمد حقَّ ثنائه عليك كما عرف أمير المؤمنين حق صدقه عنك، وتسلك في الإيجاب له سبيله، وتحتذي فيه تمثيله، وتقوم بما ألزمك أمير المؤمنين القيام به من خلافته فيما غاب عنه من أسبابه وشئونه وصيانته في علائقه وأموره حتى يجري جميعها أحسن مجاريه، وعلى أفضل ما يؤثره أمير المؤمنين. 
 
فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، واعمل به، وكن عند أحسن الظن بك، واحمله، وأجبه بما يأتيه؛ فإنه يتطلعه ويراعيه، وأجر على رسمك في إنهاء ما يحتاج إليه من جهتك، ويتشوف علمه من أحوال عملك إن شاء الله". 
 
(المختار من رسائل أبي إسحاق إبراهيم بن هلال ابن زهرون الصابي، نقحه وعلق حواشيه الأمير شكيب أرسلان، دار النهضة الحديثة، بيروت- لبنان،ص 250-252).
 

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً