صنعاء 19C امطار خفيفة

حصاد عام ٢٠٢٤ المُر

ونحن على أعتاب عام جديد تقف على مشارفه الأوجاع والأحزان والمخاوف، مايزال الخنجر الإسرائيلي يرسم حدود مصائرنا بالدم والنار، بدعم سخي من الأمريكيين والأوروبيين الذين بدأوا فعليًا بتنفيذ خريطة شرق أوسط جديد وفق استراتيجية التقسيم والتقاسم على غرار سايكس بيكو ١٩١٦م، على أنّ الفارق اليوم يتجاوز مسائل التقسيم والانتداب ونهب الثروات وتنفيذ وعد بلفور.

 
 ما يراد لنا كعرب أكبر بكثير من الأهوال التي عشناها في غزة ولبنان، وليس أدل على ذلك من وعيد دونالد ترامب الذي قال إنه سيحرق الشرق الأوسط في حال لم يطلق سراح الأسرى الإسرائيليين قبل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠ يناير القادم.
لقد كان واضحًا لنا منذ البداية أنّ ألسنة اللهب لن تقف عند حدود غزة التي شرفتنا بمقاومتها وصمودها، لأنّ لدى إسرائيل مخزونًا كبيرًا من الذرائع التوسعية في المنطقة كلها، ولن تكتفي بحدود ١٩٦٧م، أو تلتزم بالاتفاقيات والمعاهدات اللاحقة، وهذا الأمر يكشف حقيقة السلام الزائف، ومزاعم الدفاع عن النفس، ويميط اللثام عن أحلام إسرائيل الكبرى (أرض الميعاد) المستمدة من إرث ديني توراتي أقرب إلى الاسطورة والخرافة بوصفه "إسرائيل الكبرى" كأرض تمتد من الفرات إلى النيل، وتشمل أراضي عدد من الدول العربية ومقدسات ستصاف إلى القدس الفلسطينية المحتلة.
لم يعد الأمر حبيس وثائق بني صهيون، أو سرًا تحت كوفيات الحاخامات اليهود المتطرفين، بل صار إعلانًا تجاهر به إسرائيل ضمن أحلامها التوسعية، وتطلق بين الحين والآخر تصريحات رسمية بهذا الخصوص، منها ما جاء على لسان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي قال في مقابلة متلفزة: "إن إسرائيل ستتوسع "شيئًا فشيئًا" لتشمل في نهاية المطاف كامل الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى الأردن ولبنان ومصر ودول عربية أخرى"، وأضاف: "مكتوب أن مستقبل القدس هو التوسع إلى دمشق".
عام دخلناه بجراح غزة وتوابع الانتقام من ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م، إذ تحفزت نوازع الشر والإجرام الإسرائيلي، وتطاير رذاذ أحقادها على امتداد الوطن العربي، وبغلٍّ أيديولوجي صفت حساباتها مع الأرض قبل ساكنيها، وفعلت ذلك بكل وحشية على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
العالم وعلى وسعه، إلا أنه تكور كدمعة في عيني امرأة فلسطينية لم تستطع أن تجمع أشلاء أطفالها من تحت الركام، وماتزال تنظر إلى السماء خشية أن يتدحرج العالم من عينيها إلى فراغ إنساني سحيق.
ماذا نكتب عن عام الوجع والتخاذل أكثر مما نزفناه خلال ١٥ شهرًا، من بيانات إدانة ودعوات لوقف المذابح الجماعية بحق الأطفال والنساء والشيوخ، ومازلنا لم نمل من مناشدة الضمير الإنساني، لكن دون جدوى.
قرابة ٤٦ ألف شهيد حصدت أرواحهم إسرائيل خلال عام ونيف في فلسطين، و١٠٩.٠٠٠ من الجرحى والمخفيين والمعتقلين والمفقودين، فضلًا عن اغتيال قيادات المقاومة داخل غزة وخارجها، وفي مقدمتهم الشهيدان إسماعيل هنية ويحيى السنوار، بالإضافة إلى مليونين من المهجرين والمشردين، ومدن وبلدات مسحت من الخارطة.
البحار العربية تعج بالأساطيل الحربية بعد أن وجدت القوى الإمبريالية ذريعتها في موقف اليمن من القضية الفلسطينية، فسارعت في ١٨ ديسمبر ٢٠٢٣م بتشكيل "تحالف دولي" من ١٣ دولة تحت مسمى حارس الازدهار لخدمة تجارة إسرائيل ومنع انهيار اقتصادها، فضلًا عن الغارات الجوية التي تدك المدن اليمنية ومقدراتها العسكرية والتنموية دفاعًا عن إسرائيل، وخلفها تقف أمريكا بكل ثقلها العسكري والسياسي والمالي، مصطحبة معها بريطانيا، في حرب دموية توغل جراح اليمنيين كل يوم.
في لبنان أغارت إسرائيل بمئات الأطنان من الصواريخ والقنابل الفراغية كتمهيد للاجتياح السافر لجنوب لبنان، متجاوزة المعاهدات الدولية، ولم يكن الهدف القضاء على حزب الله وتصفية قادته فحسب، بل التوسع وتجاوز الحدود السابقة، متخذة سياسة تدميرية كما حصل في غزة، وقد استهدفت البنية التحتية بما يضمن عدم عودة السكان إلى تلك المدن والبلدات، واستخدمت أسلحة محرمة دوليًا.
بعد أن صفّت معظم قادة حزب الله عبر "حرب البيجر" والأجهزة اللاسلكية وأطنان من القنابل، استهدفت الشهيد الكبير حسن نصر الله، وأحرقت المدن والبلدات، وتوغلت في العمق اللبناني، حتى وصلت إلى مشارف نهر الليطاني. ولتثبيت مكاسب الكيان سارعت أمريكا بما يشبه اتفاقًا في أواخر نوفمبر الماضي، نصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان خلال 60 يومًا، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة بين نهر الليطاني وحدود فلسطين المحتلة مع لبنان.
الحملة العسكرية الإسرائيلية الأخيرة التي حملت شعار "إزالة تهديد حزب الله وعودة سكان الشمال إلى منازلهم"، تذكّرنا بحملة الليطاني التي قادتها إسرائيل في ١٩٧٨م بذريعة إزالة تهديدات الفصائل الفلسطينية في جنوب لبنان، وهي نفس الذرائع التي قامت عليها حرب ١٩٨٢م، وصولًا إلى حرب تموز ٢٠٠٦م التي انتهت بقرار مجلس الأمن ٢١٠٧ الذي نص على وقفٍ كامل للعمليات القتالية في لبنان، وسحب إسرائيل كل قواتها من جنوب لبنان، وإيجاد منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني تكون خالية من أي عتاد حربي أو مسلحين، باستثناء ما هو تابع للقوات المسلحة اللبنانية وقوات اليونيفيل، وعادت إسرائيل مرة أخرى لخرق تلك الاتفاقية في ذرائعها الأخيرة لتحقيق الهدف القديم -الجديد في السيطرة على نهر الليطاني، وجعل المدن والقرى جنوب الليطاني "منطقة عازلة"، وفصلها عمليًا عن الدولة اللبنانية.
على أنّ الهدف الخفي من تثبيت الحدود الجديدة بين إسرائيل ولبنان، يُمكِّن إسرائيل من أحواض الغاز، ومنها حوضَ كاريش الذي تم اكتشافه في يوليو 2013م، وتقدَّر احتياطاته المؤكدة بنحو 1.3 تريليون قدم مكعب، مما يعني أنّ إسرائيل ستدخل ضمن الدول الرئيسية المصدرة للغاز، وبما يؤدي إلى خفض الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي والقطري والإيراني.
ولم تكن سوريا بعيدة عن منوال التوسع والهيمنة، غير أن إشارة البدء حملها تصريح نتنياهو حينما قال إن الأسد يلعب بالنار، ولم تمر سوى أيام قليلة حتى سقطت حلب، وانفرط عقب ذلك عقد المدن السورية الواحدة إثر الأخرى، وبعد سويعات من سقوط دمشق كانت القوات الإسرائيلية قد تجاوزت معاهدة ١٩٧٤م لفك الاشتباك بعمق ١٨ كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وأطل نتنياهو نفسه من على جبل الشيخ يراقب دمشق بعيني ذئب جهوم.
نحن هنا لا نقف في طريق إرادة الشعب السوري واستحقاقاته السياسية والديمقراطية، وحقه في التغيير الديمقراطي، وكل ما يهمنا هو أن يحافظ على سلامة ووحدة ترابه الوطني وهويته القومية.
إذ إنه وبمجرد سقوط نظام بشار الأسد، استغلت إسرائيل الفراغ العسكري، وتوغلت في المنطقة، وسيطرت على جبل الشيخ، وهذا التحرك يهدف إلى تعزيز قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، ويُمكّنها من مراقبة ورصد التحركات في الدول المحيطة، إلى جانب نشرها أنظمة دفاعية واستخباراتية.
كما تُعد السيطرة الإسرائيلية على جبل الشيخ جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي، وبما يمنحها ميزة استراتيجية في أي صراعات مستقبلية، لأنه يطل على ثلاث دول عربية: سوريا، لبنان، والأردن، ولم يكتفِ الكيان بذلك، بل شن أكثر من ٥٠٠ غارة دمرت مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة استراتيجية، وصواريخ أرض -جو، وأسراب الطائرات المقاتلة، وعشرات المروحيات، والمطارات، وبطاريات الدفاع الجوي، والبنية التحتية العسكرية للجيش السوري الذي تأسس في الأول من أغسطس عام ١٩٤٦م. بالتزامن مع ذلك، نفذ سلاح البحرية الإسرائيلي ضربات واسعة النطاق لتدمير الأسطول البحري السوري، بما في ذلك منظومات الدفاع الساحلي والسفن التي تحتوي على صواريخ بحر -بحر. ومما يندى له الجبين السوري والعربي معًا، أن كل ذلك تحقق في نصر من دون حرب، ولأول مرة يحدث مثل هذا الانهيار في تاريخ الحروب والشعوب.
وبصورة عامة، وعلى ضوء الجحيم الذي عشناه خلال عام ونيّف، نستطيع أن نقول إنّ إسرائيل قد نجحت في الانتهاك السافر والمتعمد المحمي من قبل أمريكا ودول غربية عديدة للقوانين والمعاهدات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، ومررت عددًا من الرسائل باتجاه إرهاب الشعوب والأنظمة العربية، وتهيئتها للقبول بالتطبيع القسري، والتوقف عن مناصرة القضية الفلسطينية، وهذا يتضح جليًا من خطابات نتنياهو الذي ما انفك يؤكد أنّ يد إسرائيل ستمتد إلى أي بلد يناصر القضية الفلسطينية.
لم يعد اليوم لدى إسرائيل ما تخفيه بخصوص نواياها في تأديب كل من في قلبه عروبة ومناصرة لفلسطين.
وللأسف، نجد اليوم من يصفق سرًا لتلك اليد الملطخة بدماء أهلنا في فلسطين، ويراهن عليها في الخلاص في بعض الدول العربية، وهذا بطبيعة الحال رهان خاسر، ذلك أنّ الكيان الصهيوني لا يريد لنا الخير، ولا لأوطاننا النماء والتطور والاستقرار، ونحن نرى أنيابه تنهش الأطفال في غزة، وتبطش يده الدموية في لبنان وسوريا واليمن.
ومع إيماننا العميق بحق الشعوب في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم والمساواة والعدالة، لكننا على يقين أنّ ذلك لن يأتي من البوابتين الإسرائيلية والأمريكية، بل من الداخل، ووفق الشرعية الدولية، وعدم التفريط بمصالح الفلسطينيين.
ومع قتامة الحاضر، ومخاوفنا الكبيرة من المستقبل، إلا أننا مانزال نناشد الضمائر الحية في هذا العالم أن توقف الغطرسة الإسرائيلية وجرائمها بحق شعبنا الفلسطيني، وأن تنسحب من أراضينا العربية في سوريا ولبنان، وأن تكف يدها عن اليمن، وعلى أن تحتكم للشرعية الدولية وحدها وقراراتها.
وفي سياق متصل، تتواصل الأزمات في العالم العربي، حيث يستمر النزاع المسلح في السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، الذي اندلع في أبريل 2023، وأسفر عن مآسٍ إنسانية هائلة. حتى نهاية 2024، قُتل أكثر من 100.000 شخص، وأصيب عشرات الآلاف، بينما نزح أكثر من 5 ملايين داخليًا وخارجيًا. هذا النزاع المدمر زاد من تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في السودان، ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
وفي الوقت نفسه، شهد العام ٢٠٢٤ ارتفاعًا في أعداد اللاجئين العرب، وبسبب النزاعات والحروب تواصل دفع الكثير من العرب إلى دول الجوار أو نحو أوروبا، وفي هذا الكم الهائل من الهجرة، تضيع آلاف من العقول العربية المبدعة، والأيادي المهنية المحترفة، مما يشكل خسارة كبيرة للعالم العربي الذي هو في أمس الحاجة لهم. ولعل بعضهم فارق الحياة في البحر والبر في سبيل الحصول على فرصة أفضل، والوصول إلى بلدان أكثر أمانًا.
كان عام 2024 عامًا استثنائيًا فارقًا وعاصفًا في تاريخ منطقتنا العربية والشرق الأوسط عمومًا، بأحداثه الجسام، وتأثيراتها العميقة على مستقبل القضية الفلسطينية والمستقبل العربي عمومًا، ومساعي صياغة منطقتنا وإعادة تقسيمها في ما سمي الشرق الأوسط الجديد.

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً