عاصمة النكتة
لكل مدينة ميزة تتفرد بها عن بقية مدن الأرض، يستحضرها الزائر في اللحظات الأولى لوصوله إلى أراضيها.
وعندما وصلنا إلى ذمار وجدناها مبتسمة لزوارها، فقلت لا غرابة، فذمار تستحق بجدارة لقب عاصمة النكتة اليمنية، مثلما إن هناك عاصمة سياسية وعاصمة اقتصادية وعاصمة ثقافية وعاصمة سياحية.
ومازالت ذمار تحتل مركز الصدارة في هذا الجانب، ومازال الإنسان الذماري يمتلك حسًا دعابيًا وخفة دم عجيبة.
"واشتهرت مدينة ذمار بأنها معمل لصناعة النكتة السياسية العفوية على وجه الخصوص في اليمن، فكان لكل حدث أو واقعة تخريجها في النكتة التي سرعان ما تتقاذفها الألسن خارجها".
والنكتة في اللغة تعني الفائدة. والذماري يحقق أعلى نسبة فائدة من النكتة التي يصنعها أو يرويها، فهو لا يصنع النكتة ويطلقها لغرض الترفيه والضحك ونيل إعجاب الحضور وتمضية الوقت، وإنما يقولها كتعبير عن الرفض للواقع، وتخفيفًا من وطأة الظروف، ووسيلة احتجاج ومعارضة للأحوال غير السوية.
وهي دليل على حيوية هذا الإنسان، واهتمامه بأوضاع البلد والشعب، ورغبته في تغيير الواقع البائس إلى مستقبل أفضل، وعدم الاستسلام للظروف، والعمل على تغييرها، وإصلاح الاعوجاجات أينما ظهرت، وبقدر الإمكان، وحسب المتاح.
ومثلما تنسب الكثير من المواقف الفكاهية لجحا، مع أنها وجدت بعد وفاته بقرون، فإن الكثير من النكات إذا ما أراد أصحابها أن يكتب لها انتشار أكبر وشهرة أعظم، ينسبها لواحد من ذمار.
فالذماري يسخر من كل شيء، سواء كان هذا الشيء خاصًا أم عامًا، في الدنيا أو في الآخرة.
وأحدث نكتة ذمارية متعلقة بالشأن العام وبالحرب الأخيرة على اليمن، تقول:
واحد شيبة يسأل واحد من ذمار، قال له: يا ولدي أسمع هذه الأيام انفجارات قوية، أيش الخبر أو قد به حرب ثانية على اليمن؟
فرد عليه الذماري بالقول: يا عم هي الحرب نفسها بس هذي المرة بالإنجريزي.
وحتى وهو في الدار الآخرة يحافظ الذماري على خفة دمه، ويلجأ إلى النكتة ليواسي بها نفسه، فيقال:
واحد ذماري دخل المستشفى وعمل عملية، وبعدما راح تأثير البنج فتح عينيه ورأى الممرضة تقف بجوار سريره، فقال لها: ذلحين أنا بخير وإلا ميت؟ فحاولت الممرضة أن تضحك معه فقالت له: أنت ميت، والآن أنت في الجنة.
فقال: وانتي الحورية حقي؟
قالت: أيوه أنا الحورية حقك.
فصاح بكل ما أوتي من قوة وقال: شلوني الجن أنا وحظي لا معي حظ في الدنيا ولا في الآخرة.
وعندما سألوا واحدًا من ذمار عن تقييمه لثورة الشباب عام ٢٠١١م، قال بعدما عدل جلسته وتنحنح وبرح حنجرته وفخم صوته وتكلم على طريقة الناس الأكثر عمقًا:
في الحقيقة والواقع إننا ولله الحمد قمنا بعمل ثورة شبابية سلمية من أنجح ثورات الربيع العربي، والغلطة الوحيدة التي ارتكبناها أننا نسينا نعمل لها حفظ.
والذماري يبدع في استحضار النكتة حتى في أسوأ الظروف وأصعب المواقف، حتى بعيدًا عن جمهوره وملعبه، فهذا واحد ذماري كان يطلب الله في عدن يبيع ماء ومساويك وأي شيء، وفي مناسبة من المناسبات الحراكية قام ببيع أعلام بعضها أعلام الانتقالي وبعضها أعلام الجمهورية اليمنية.
بعض عيال عدن حبوا مشاغلة الرجل، فتجمهروا حوله وقالوا وهم يشيرون إلى العلم اليمني: أيش هذا؟ قال: هذا علم اليمن، قالوا: أنت تعرف أن هذه مناسبة نظمها الحراك فكيف تتجرأ على رفع علم اليمن هنا في عدن وفي هذه الساحة بالذات؟
وهنا أسعفته الروح الذمارية الساخرة، فقال: أنا أحضرت هذا العلم بالذات إلى هنا لغرض لا يتعارض مع أغراضكم أبدًا. قالوا: وما هو غرضك؟ هات واطربنا (اعتبروه في ورطة)، فقال: أحضرته حتى تحرقوه وتنصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
فضحك الجميع وانتهت المسألة بسلام.
أما عن الانتخابات والبرامج الانتخابية (أيام ما كان معنا انتخابات وبرامج)، فقد كان لها نصيب من طولة لسان واحد من ذمار.
فعندما سألت الزوجة زوجها: أيش معنى البرنامج الانتخابي؟
قال لها: تتذكري لما خطبتك ووعدتك أحقق أحلامك وأسفرك وأشتري لك كل ما تتمنين وأحطك في عيوني؟
قالت: أيوه بس ولا سويت شيء من كلامك.
فقال: أيوه هذا هو معنى البرنامج الانتخابي.
وأيام ما كان عندنا كهرباء حكومية تأتي من شرق البلاد ومن غربها، وعندما بدأت المشاكل والمماحكات والتخريب والتخريب المضاد، ودخل كلفوت على الخط وعطل الشبكة، وانقطعت الكهرباء ليالي وأيامًا، اتصل واحد ذماري بوزير الكهرباء، وقدم نفسه على أنه مدير ميناء ذمار الدولي. فاستنكر الوزير هذا الاستخفاف، وأنكر وجود ميناء في ذمار.
فقال صاحب ذمار: عادي وأيش فيها، هوذا أنت محسوب علينا وزير كهرباء ومافيش في اليمن كهرباء!
حتى عندما يفكر أصحاب ذمار بتغيير المحافظ مثلًا، لا يقومون برفع شكاوى إلى الرئاسة كما يفعل جيرانهم أصحاب إب الذين قيل إن الرئيس استجاب لشكاواهم مرة من المرات، وقام بتغيير المحافظ، وعين محافظًا جديدًا، لكنه شعر بالصدمة عندما وجد واستقبل شكاوى بالمحافظ الجديد بالرغم من أنه لم يباشر عمله، ولم يغادر صنعاء بعد.
أما أصحاب ذمار فلهم طريقتهم الفنية في المطالبة بالتغيير:
مرة زار الرئيس الحمدي ذمار، وكان بعض سكان ذمار زعلانين من المحافظ، وبدلًا من أن يتقدموا بشكاواهم إلى الرئيس، استغل أحدهم وقت تناول الرئيس لطعام الغداء، وقام بصب كمية كبيرة من العسل على "بنت الصحن" التي يأكل منها الرئيس، فقال الرئيس: بس بس بس.
قال الذماري للرئيس: بس يحيى مصلح يا فندم، ما هذا هو عسل.
ولأن الرئيس كان يعرف يحيى مصلح جيدًا، فلم يتجاوب مع الأمر.
لكن هل يدب اليأس في قلوب أصحاب ذ مار؟
لا، فعملوا على دس ورقة "محبوسية" كتبوا فيها: الأخ مدير السجن الاحتياطي يكون حبس المواطن يحيى مصلح مهدي حتى ينصف الغرماء. وشكرًا.
وتم إدخالها ضمن البريد للمحافظ، فلم ينتبه للمصيدة، ووقع على الورقة مع بقية الأوراق.
أخذوا الورقة وأرسلوها للرئيس الحمدي الذي وجد أن أصحاب ذمار ناوين على البورة مع المحافظ. ومادام قد جعلوا المحافظ يأمر بحبس نفسه، فلا جدوى من استمراره حتى لا يوقعوه في ما هو أعظم، فعزله.
ولا أعتقد أن ذمار حصلت على محافظ بعد يحيى مصلح أفضل منه، رحمة الله عليه.
المرحوم الريال
وكان لتدهور العملة حيز كبير من اهتمامات الإنسان الذماري، فعندما هبط سعر الريال أمام العملات الأجنبية بشكل كبير ومؤثر، أقاموا جنازة تليق بالريال، وشيعوه إلى مثواه الأخير، ودفنوه، ورتلوا له الفاتحة والإخلاص وياسين وتبارك. ومن يومها لم تقم للريال قائمة إلى يوم الناس هذا.
ضرب التلفزيون
في بداية التسعينيات، وقبل الصحون اللاقطة والستالايت، كانت القنوات الرسمية هي المتسيدة والمسيطرة على الساحة.
وكعادة الإعلام الرسمي لا يظهر إلا الجانب الإيجابي من عمل الحكومة، ويبالغ في التطمين وذكر إنجازات الحكومة ومحاسنها، حتى ضاق أهل ذمار ذرعًا بالتلفزيون، فأخذوا جهاز تلفزيون ووضعوه في مكان قريب من بوابة المحافظة، وقاموا بضربه بالعصي ورجمه بالحجارة، فتجمع الناس لرؤية هذا المشهد الفكاهي، وسألوا عن الجريمة التي ارتكبها التلفزيون، فجاءهم الرد أن التلفزيون كذاااااب كبير، يقول إن الغاز متوفر وهو معدوم، وأن التعليم عال العال وهو متدهور، وأن الرعاية الصحية نموذجية والناس تموت في طواريد المستشفيات، وأن الأسعار رخيصة وهي نار، وأن وأن وأن... فقالوا: يستاهل، وشاركوهم في الضرب والرجم.
وحتى في أصعب المواقف وخيبات الأمل، يحافظ الذماري على رباطة جأشه والروح الفكاهية، فهذا واحد ذماري زوجوه بواحدة شوعة، وفي اليوم الثاني من العرس جلس يخزن معها ويتفحص وجهها بعناية مبالغ فيها، فاستفزها هذا الأمر وقالت له ما لك صل على النبي، فقال باين أن مع أبوش وساطة قوية يا بنت الذين، قالت له: ليش؟ قال: استطاع يسجلك في البطاقة أنثى.
وذمار مشهورة كما يعرف الجميع بالبرد، وهذا الأمر لم يتركه الذماري بدون أن ينسج حوله قصة مضحكة ونكتة ساخرو، حين قال واحد ذماري: في أوروبا يقول الزوج أنا باموت من البرد، فتقول الزوجة تعال يا عمري حضني.
وفي ذمار يقول الزوج شاموت من البرد، فتقول الزوجة أقوم أعمل لك عصيد تدفي بطنك.
--------------------
الصورة لصاحب النكتة الذمارية الساحرة والساخرة أحمد سيلان، شفاه الله وعافاه.