صنعاء 19C امطار خفيفة

«سُلَافة العدس ولُبُّ العَلَس في المضحكات والدَلَس»

إبداع السخرية والتحدي في ديواني الخفنجي والقارة

هذا الاسم الغرائبي هو اسم ديوان الأديب والشاعر الكبير الساخر والمتمرد علي بن الحسن بن علي بن الحسين الخفنجي.

 
عكف الباحث والأكاديمي الدكتور إبراهيم محمد أبو طالب لعدة أعوام على قراءة ودراسة وتحقيق ديوانين مهمين لشاعرين من كبار شعراء اليمن الساخرين بالقيم والتقاليد المقيتة.
 
إبراهيم أبو طالب- منصات التواصل
 
هذان الشاعران الساخران: «الخفنجي»، «والقارة» لم تستطع المحافظة والتزمت إماتةَ موهبتهما وإخفاء عطائهما الإبداعي الفائق القدرة والإدهاش.
 
قليلٌ من العلماء الأجلاء والفقهاء المستنيرين أدركوا إبداع ونبوغ الشاعرين، وأهمية نقدهما للمجتمع وقيمه الرثة، وتقاليده الموغلة في الانغلاق والتأثيم والورع الزائف، ويأتي في مقدمتهم السيد علي بن قاسم المؤيد، وشيخنا الجليل محمد بن محمد بن إسماعيل المنصور، والمناضل السبتمبري محمد حسن غالب- وكيل محافظة الحديدة لأعوام، والأستاذ الموثق علي أحمد أبو الرجال، والصديق العزيز صالح السلفي، والشاعر والناقد والباحث أحمد بن محمد الشامي؛ وهم ممن اهتموا واحتفظوا بالديوانين.
 
لا شكَّ أنَّ هناك عشرات غير هؤلاء ممن احتفظوا بالديوانين، وقد أشار الباحث المحقق إلى بعضهم، لكن الإنجاز الرائع هو ما قام به الدكتور الباحث المدقق إبراهيم أبو طالب بالكشف عن الديوانين وتحقيقهما الذي يعد من أهم الإنجازات الأدبية والثقافية الزاكية والإصدارات المهمة في اليمن.
 
كان الديوان في الماضي كتابًا واحدًا في مجلد يُطْلَق عليه «ديوان الخفنجي والقارة»، ثم يذكر اسم «سُلافة العدس ولُبُّ العَلَسْ»؛ عنوان ديوان الخفنجي، ويلحق به ديوان القارة.
 
وقد قام العلامة الجليل محمد بن محمد المنصور في القاهرة بطبع الديوانين بالآلة الكاتبة وسحبه بالاستنسل، مع الحرص على التشكيل والتعليق والملاحظات الكثيرة.
 
ديوان الخفنجي «سلافة العدس ولب العلس في المضحكات والدلس»، دراسة وتحقيق أ. د إبراهيم أبو طالب. تصدير الأستاذ عبد الله الحبشي، وتقديم أ. د عباس علي السوسوة.
 
يقع الديوان الكبير نسبِيًّا في 662 صفحة. تشتمل الصفحات الأولى والثانية على اسم الديوان، واسم الشاعر، والمحقق، وصاحبي التصدير والتقديم.
 
أما الصفحة الثانية فعليها دار الطباعة «ديوان العرب للنشر والتوزيع»، وتفاصيل اسم المحقق، ورقم الإيداع، وتفاصيل عن الطبع، وحجم الكتاب.
 
أما الصفحة الثالثة فإهداء إلى المدينة التي حوت كل فن. ولوحة الغلاف في الصحفة الثانية للفنان الدكتور عادل الماوري.
 
التصدير بقلم الأستاذ المحقق الكبير عبد الله بن محمد الحبشي. والأستاذ عبد الله الحبشي من أهم الباحثين والمحققين اليمنيين والمنقبين عن كنوز التراث والتاريخ والمخطوط اليمني. رفد المكتبة اليمنية بالعديد من الإصدارات، وتحقيقاته كثيرة، وأبحاثه أكثر ظهرت في العديد من الكتب والمجلات والصحف.
 
وقد أورد الحبشي في التصدير تقييمًا دقيقًا مهمًّا للشاعر الخفنجي الذي وقف حياته لنقد المجتمع، ووصف أدوائه ومحاسنه وعيوبه. ويضيف: وإنْ غلَّفَ نقده بأسلوب ساخر يميل إلى الصراحة المكشوفة أحيانًا. ويصفه صادقًا بعدم التكلف وتصنع الرياء.
 
لقد وضع الحبشي يده على موضع العلة؛ وهو ما أدركه عبد الله بن عباس عندما أنشد أمام الكعبة وهو محرم بالحج:
 
وهُنَّ يمشينَ بنا هميسا * إن تصدق الطير ننكْ لميسا
 
ثم كبر وأم المصين. وقد شكك الجاحظ في تقوى وتدين الذين يتأففون من ذكر الفرج والذكر.
 
الحبشي مثقفٌ واسع الاطلاع. أديب وباحث محقق. أدرك عميقًا معنى أنْ يعيش الإنسان عصره، ويعرف أنَّ شعر الخفنجي صورة اجتماعية حقيقية لمجتمع صنعاء في القرن الثاني عشر الهجري.
 
 ويرى الحبشي في العامية فُسْحةً في التعبير، ومعالجة المشاكل والقضايا، كما يرى أنَّ الديوان فريدٌ في بابه، وأنَّ الخفنجي يمتلك قدرة تقمُّص الشخصيات، وأنَّ شعره نابضٌ بالحياة.
 
أما صاحب المقدمة الأستاذ الدكتور عباس علي السوسوة فمفكر موسوعي، وفقيه لغوي، وأكاديمي، وباحث رفيع المستوى. يقدم لأول مرة ديوانًا من دواوين العامية في اليمن ظل مخطوطًا لثلاثة قرون.
 
يشير إلى مختارات أحمد حسين شرف الدين، وما كتبه البردوني عن الخفنجي والقارة في كتابه «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه»، وتحليل الشاعر أحمد بن محمد الشامي في كتابه «من الأدب اليمني»، ودراسة المقالح لجزء من الديوان في كتابه «شعر العامية في اليمن»، وما درسه في جانبٍ منه عبد الله الحبشي في «الأدب اليمني عصر خروج الأتراك الأول من اليمن»، كما يشير إلى نشر بعض أشعاره في مجموع «المقامات اليمنية».
 
يدون الدكتور عباس بداية التعارف في مطلع سبعينات القرن الماضي مع «الطرائف المختارة»، وهو طالب في الثانوية بمصر، ورؤيته للديوان مخطوطًا في مكتبة السيد علي بن إسماعيل المؤيد، فكان الديوان منجمًا ثرًّا في دراسته اللغوية للدكتوراه، وللتعرف على ظواهر صرفية ونحوية في المحكية اليمنية، ثم في الأبحاث؛ وهذا ما دفعه إلى توجيه طلابه في جامعة تعز لدراسة ظواهر لغوية في شعره، وعند شعراء الحميني عمومًا.
 
يتناول الدكتور عباس تزامله مع المحقق الفاضل في «جامعة الملك خالد» في أبها، فسأله المحقق: إنْ كان يعلم لديوان الخفنجي تحقيقًا؟
 
فأجابه بالنفي، فأخبره بنية تحقيقه ودراسته ونشره؛ فشجعه على ذلك ووضع نسخته المصورة تحت تصرفه.
 
بدأ الدكتور العمل إلا أنَّ مشاغل الدروس والمحاضرات العامة والإشراف على الرسائل والأطروحات قطعته عن ذلك.  
 
كان المحقق -كما يشير عباس- يستشير كل من يتوسم فيه خيرًا في معنى لفظ، أو تركيب ونحو ذلك.
 
يشير عباس أنَّ المحقق قد عرض عليه مراجعة الديوان والدراسة الضافية المركزة، فلم يتردد؛ حيث راجع العمل من مبتدئه إلى ختامه سطرًا سطرًا؛ مبديًا رأيه وقراءاته المختلفة في كل ما هو مكتوب.
 
استغرقت المراجعة ثلاثة أشهر، ويتناول الدكتور عباس دوافع المحقق ويلخصها في:
 
1- خصوصية لهجته التي تكاد تكون محكية صنعاء في القرن الثاني عشر الهجري.
 
2- مكانة الشاعر الأدبية وقدرته على تصوير مجتمعه وقضاياه.
 
3- قدرته على السرد والرسم الفكاهي والساخر.
 
4- احتفظ الديوان بأشعار مجايليه الذين ذُكِروا معه في حين ضاع شعرهم الآخر.
 
5- اهتمامه بالعادات والتقاليد الاجتماعية وأمور الحياة اليومية حتى في اهتمامه بالقطط والكلاب والحمير والبقر.
 
6- معارضة أشهر قصائد الحميني وقصائد وأزجال متقدمة عليه.
 
7- حمل شعره قضايا زمنه وبعضها مازال يثار حتى اليوم نحو كيفية أداء الصلاة، وسمات التدين الزائف، والتدين الحقيقي.
 
يتناول المقدم ترجمة المحقق للشاعر، وثقافته، وشعره، وشهادة أدباء عصره، وقراءة بعض المعاصرين عن شعره.
 
ويشهد الدكتور عباس أنَّ إبراهيم -كعهدنا بكتاباته- كان هادئ النبرة في الانتقاد والحديث لدرجة يُغْبَط عليها.
 
بعدها وصف المخطوطات الثلاث المعتمدة في تحقيق الديوان بدقة، وأتى بصور فوتوغرافية لجميعها.
 
ثم رقَّمَ القصائد على بداياتها، ونسب القصائد المعارضة لأصحابها، وترجم لهم باختصار، ووضع الأعلام والأماكن بين قوسين، وشرح بعض المعاني، وذيَّلَ العمل بفهارس مفيدة.
 
يصف الدكتور عباس الديوان -إضافة إلى ما جاء في دوافع التحقيق- بأنه مصدر لدراسة عروض الحميني، وعروض الشعر العفوي الشعبي؛ لكثرة أشكاله وتنوعها؛ وهو مصدر لدراسة ألفاظ الحياة اليومية في ضوء فكرة المجال الدلالي، ويمثل بالعديد من الألفاظ كالفلاحة، والتجارة... إلخ.
 
يضيف: الميدان واسع أمام من يريد دراسة التعابير الاصطلاحية والكنايات... إلخ.
 
ويرى أنَّ اهتمام الدكتور المحقق بالظواهر الصرفية والنحوية- كل ذلك قد جعله الدكتور أبو طالب على طرف الثُّمَام من الباحث؛ حينما أثبت في الهوامش تعليقات العلماء الأفاضل محمد بن محمد المنصور، والسيد علي بن إسماعيل المؤيد، وأحمد بن محمد الشامي وغيرهم.
 
يختتم تقديمه: وأشهد أنَّ المحقق الفاضل قد بذل غاية جهده، ولم يدخر وسيلةً إلا نفذها للخروج بالعمل إلى أقصى ما يراد له من الكمال.. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).
 
مقدمة المحقق ودراسته العلمية لها تناولة وقراءة أخرى، ولي تجربة مع الديوانين سوف أتناولها لاحقًا.

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً