الإعلام، حتى في أكثر أشكاله مهنية، لا يستطيع إلا أن يكون انعكاسًا مشوهًا للواقع حين يتعامل مع مأساة بحجم غزة. في السنوات الماضية، وخاصة خلال الحرب، ساهمت وسائل الإعلام العربية، وعلى رأسها شبكة الجزيرة، في تكوين صورة متخيلة لغزة، سردية تليق بالبث المباشر والتحليل السياسي، لكنها تبتعد عن الحقيقة على الأرض.
هذه "الغزة المتخيلة" التي بُنيت في الإعلام ليست غزة التي يعرفها أهلها، ليست العدوانات التي عاشوها بأجسادهم. فقد صُوّرت غزة ككيان صامد في معركة متكافئة، كملف إخباري قابل للتحليل والاستنتاجات الاستراتيجية. أما في الواقع، فغزة ليست ساحة معركة، كانت وما زالت مسرحًا لعدوان وحشي إبادي، يستهدف المدنيين العزّل، ويعيد تشكيل المدينة يومًا بعد يوم كأنها لم تكن.
ما حصل ليس مجرد "حرب" بالمفهوم التقليدي، لأن الحرب تفترض طرفين يتصارعان في ظروف متقاربة، في غزة كانت إبادة منظمة، لا تترك للمدنيين خيارات سوى الموت أو الانتظار في طوابير طويلة للنجاة المؤقتة. لم تكن هناك مقاومة فقط، كان هناك ملايين من المدنيين يتعرضون للقصف والتجويع والتهجير، بينما الإعلام يصرّ على تصوير المشهد وكأنه معادلة سياسية تحتاج إلى تحليل.
النتيجة أن العالم، بما فيه المتابع العربي، لم يرَ غزة كما هي، رأى نسخة منها تم تشكيلها على مقاس الشاشات والمصطلحات الإعلامية. وبينما كانوا يناقشون "السيناريوهات المحتملة"، كانت المدينة تمحى، وكان الناس يُقتلون بلا توقف، وكان التاريخ يعيد نفسه بطريقة أبشع مما تخيلناها يومًا.