كنت أظن أن اسمي مجرد صدى تقليدي لاسم الرسول محمد كما هو حال كثيرين، دون أن أدرك أن جذوره تمتد إلى أبعد من ذلك. لم يكن اختيارًا عابرًا، بل كان إرثًا ينبض بالمعاني والذكريات. كان والدي يروي قصص محمد صالح مطيع بحنين يعتصر القلب، وعيناه تلمعان بدمعة صامتة وهو يتحدث عن رجل لم يكن مجرد دبلوماسي أو وزير خارجية، بل كان رمزًا للأمل في زمن اجتاحته أمواج الصراعات العاتية. رجل تحدى العزلة السياسية محاولًا رسم خط جديد لمستقبل اليمن الجنوبي، في زمن ضاع فيه صوت الحكمة وسط تطرف الرفاق!
كبرت وأنا أشعر أن اسمي يحمل ثقلًا يتجاوز حروفه. ولا أنسى زيارة الشيخ والسياسي القدير يحيى عبدالله قحطان لمنزلنا في التسعينيات، حين قدمني والدي له بفخر: "ولدي محمد... صالح مطيع"، بابتسامة تحمل اعتزازًا عميقًا وكأنها تحافظ على شعلة ذكرى تأبى أن تخمد.
كان محمد صالح مطيع استثناء في زمن الاستثناءات، دبلوماسيًا من الطراز الرفيع، حطم عزلة بلاده بفتح قنوات تواصل مع دول الخليج، الولايات المتحدة، وحتى الهند. بفضله، فتحت عدن أبوابها لوفود الكونغرس الأمريكي، وخطت دول الخليج نحوها بخطى جريئة، في وقت كانت السياسة فيه تكبل الأنفاس.. أتخيله يسير بثقة في دهاليز الدبلوماسية صوته يحمل نبض الحلم وعيناه ترسمان أفقًا أرحب رغم العوائق التي تراكمت كالجدران.
لكن القدر كان أقسى من طموحه. في عام 1981 انتهت رحلته بإعدامه بطريقة وحشية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا على يد من كانوا يومًا رفاقه. كان ذلك يومًا أسود لم يقتصر سواده على يافع مسقط رأسه، بل غطى الجنوب واليمن كله. اتهموه زورًا بأنه عميل للرجعية السعودية والإمبريالية الأمريكية، تهمة واهية وسخيفة ومتناقضة لم تكن سوى ستار لتصفية حسابات سياسية أعمق.
لم يكن والدي شاهدًا على لحظة رحيله، لكنه حمل ألمها في قلبه حتى وفاته. ظل صدى تلك الخسارة يتردد في وجدانه، وكأنه لم ينسَ أبدًا الرجل الذي حلم بوطن أفضل، حلم ظل معلقًا بين السماء والأرض. واليوم، بعد عقود، لا يسعني إلا أن أتساءل:
هل تغير شيء؟!
هل تجاوزنا الماضي، أم أننا مازلنا ندور في نفس الدائرة؟!
لكني أدركت مع مرور السنوات أن التاريخ ليس مجرد حكايات تروى، بل مرآة تعكس أخطاءنا المتكررة وصفحات مليئة بدروس نرفض تعلمها. دماء سالت، وأحلام ذبلت، حروب طاحنه خضناها لكن الجرح مازال ينزف في حاضرنا.
محمد صالح مطيع لم يكن مجرد سطر في كتاب، بل كان نبضًا في قلب كل جنوبي، وثمنًا باهظًا لانزال ندفعه حتى اليوم.
سلام عليك يا محمد، وعلى كل حلم لم يرَ النور، وعلى وطن لايزال يبحث عن دربه.