ردًا على مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي صديقي الأعز الذي نشرته "صحيفة الشورى" الإلكترونية يوم الثلاثاء 4 مارس 2025م، تحت عنوان "عن أي ثورة نتحدث؟"، تناول فيه موضوع ثورة 11 فبراير 2011 في اليمن، وأبرز التحديات والصراعات التي أعقبتها. كما طرح بعض النقاط المهمة حول مفهوم الثورة وأبعادها. معقبًا على ما جاء في ردي على الحلقة الثانية من نفس المقال، حيث ركز على فقرة واحدة من فقرات الرد، وهي تلك المتعلقة بالمآلات الكارثية الناتجة عن الثورتين المضادتين لثورة فبراير المجيدة.
وقد جاء في ردي أن ثورة فبراير هي أول ثورة في تاريخ اليمن المعاصر يشارك في صنعها الشعب كل الشعب، بينما أن تورتي 26 سبتمبر 1962م اليمنية و23 يوليو 1952م المصرية؛ كانتا في مطلع اندلاعهما مجرد انقلاب عسكري، ولم تصبح أي منهما ثورة إلا بعد التفاف الشعب حولها، فرد بما لفظه: "الثورة يا عزيزي الكريم ليست مجرد حدث أو واقعة تاريخية تسجل بمجرد نزول فلان أو علان أو حتى كل الشعب إلى الساحات للمطالبة برحيل رأس النظام أو كامل جسده، ولكنها أهداف وبرامج عمل لتحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع وخطوات ملموسة في طريق تحقيقها".
ومن خلال هذه الفقرة التي تفيد بأن الثورة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي مجموعة من الأهداف والبرامج التي يجب تحقيقها؛ وهذه الأهداف والبرامج يا عزيزي الكريم هي ما تحقق بالفعل في ثورة فبراير المجيدة، إذ استطاعت ثورة فبراير أن تحق ما هو أعظم من مجرد أهداف، ألا وهي وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل التي تضمنت برامج شاملة لكل مناحي الحياة تم إعدادها بمشاركة كل المكونات السياسية والمتخصصين في مجال القانون والاقتصاد، ولم تستثنِ حتى الجماعات الدينية كـ"السلفيين" و"أنصار الله"، فالكل شارك في مؤتمر شامل استمر ستة أشهر، وخرج بأعظم وثيقة يتوصل إليها اليمنيون، وتضمنت أهدافًا عظيمة تشمل إصلاحات في كل مناحي الحياة في المجتمع اليمني، كما وضعت تصورات عملية لبناء دولة مدنية اتحادية ديمقراطية، وتمت صياغة مسودة الدستور من الأهداف التي تضمنتها المخرجات المتعلقة ببناء الدولة، فكانت "مسودة الدستور".
ومما سبق يتبين أن مخرجات الحوار الوطني قد تضمنت برامج تنفيذية؛ لبناء دولة مدنية اتحادية؛ ولكن للأسف الشديد أنه تم الانقلاب على العملية السياسية السلمية بقوة السلاح؛ ونتج عن هذا الانقلاب كل ما تعاني منه اليمن من أحداث كادت تعصف باليمن ونتج عنها سلطات واقع متناحرة؛ وبالتالي فإن محاكمة ثورة فبراير بناءً على ما حدث بعدها يُشبه بمن يحاكم الرسام الذي رسم لوحة فنية جميلة؛ فجاء من لطخها بألوان مسختها وشوهت جمالها؛ فبدلًا من إلقاء اللوم على من لطخها، تم تحميل الرسام ولوحته الجميلة مسؤولية ما جناه الذي شوه بها؛ وبدلًا من محاكمة الجاني تتم محاكمة الضحية.
ومن هذا المنطلق فإنني أتفق مع القاضي بأن نجاح الثورة يعتمد على وعي الشعب وقدرته على التمييز بين الأعداء والأصدقاء. وهذا ما قامت به ثورة فبراير التي تعتبر تجربة غنية تتطلب دراسة معمقة. ونقدها النقد البناء والمراجعة المستمرة هما السبيل الوحيد للاعتراف بأخطاء الماضي وتحقيق الأهداف المستقبلية؛ وبلغة فيلسوف الليبرالية فوكوياما الذي قال "إن الليبرالية ليست النظام الأمثل، لكنها ستكون كذلك طالما هناك من ينتقدها"، وفي هذا السياق أعتبر ما يوجهه القاضي عبدالعزيز البغدادي من نقد يصب في ذات الاتجاه.
ومن وجهة نظري بأن الثورة الحقيقية هي تلك الثورة السلمية التي لا يسمع فيها لعلعة الرصاص ودوي المدافع وأزيز الطائرات وطقطقات مجنزرات الدبابات، بل تأتي كقطرات الندى فتذيب جلاميد الجهل كما تذيب تلك القطرات جلاميد الثلوج دون ضجيج ولا سفك دماء ولا انتقام وانتقام مضاد.
وهذا ما أتطلع إلى تحقيقه عبر هذا الجيل الذي ستكون له هبة فينوم بثورة سلمية باعتبار الثورة السلمية هي حركة اجتماعية تهدف إلى إحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي للمجتمع، دون اللجوء إلى العنف. بل تعتمد على مشاركة جماهيرية واسعة، واتفاق مؤسسات المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية المغلوبة على أمرها بقوة سلاح مليشيات سلطات الواقع، والتي نتطلع أن تتضامن وتوحد صفوفها لاستعادة دورها في تحقيق ما تغيته مخرجات الحوار، مما يعزز قوتها. ومن العوامل الرئيسية التي تسهم في نجاح هذه المؤسسات، هو وجود قيادة فعالة قادرة على توحيد الجهود وتحديد أهداف واضحة. كما أن التواصل الفعال، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، يلعب دورًا حاسمًا في نشر الوعي وتعزيز المشاركة. الدعم الدولي وتأييد منظمات حقوق الإنسان يمكن أن يعزز موقف الحركة، بينما تسهم استراتيجيات العصيان المدني واللاعنف في الحفاظ على الدعم الشعبي. الإبداع في استخدام أساليب جديدة والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة يساعدان الثوار على الاستجابة للتحديات. في المجمل، تسهم هذه العوامل مجتمعة في تعزيز فرص نجاح الثورة السلمية وإحداث تغييرات إيجابية في حياة المجتمع.
وفي إطار هذا النقاش حول ثورة 11 فبراير 2011، يمكن اعتبار مخرجات الحوار الوطني مؤشرًا على نجاح هذه الثورة. فالحوار الوطني، الذي جمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية، قد جاء ليعكس توافقًا وطنيًا حقيقيًا حول ضرورة التغيير. فلقد وضعت المخرجات تصورات واضحة لمستقبل اليمن في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، مما يدل على أن الثورة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت لها أهداف ملموسة تسعى لتحقيقها.
كما أن المخرجات تعكس مبادئ الدولة المدنية والديمقراطية، وهي أهداف رئيسية سعت إليها ثورة فبراير، مما يجعلها علامة فارقة في تاريخ اليمن. من خلال هذه المخرجات، تم وضع أسس لعملية سياسية تهدف إلى الانتقال السلمي للسلطة، مما يعكس روح الثورة السلمية ويعزز فرص الاستقرار.
وغني عن البيان أن "وثيقة مخرجات الحوار الوطني" و"المبادرة الخليجية: تعتبر حجر الأساس لأي حل قادم من شأنه إخراج اليمن من مستنقع سلطات الواقع المتناحرة ؛ وستظل هي الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة التي تكاد تعصف ببلدنا أرضًا وإنسانًا، لأن مخرجات الحوار تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، مما يعكس نجاح الثورة في تجاوز الصراعات. رغم التحديات التي واجهتنا بعد الثورة، وأخيرًا تبقى مخرجات الحوار الوطني دليلًا واضحًا على نجاح ثورة فبراير في إحداث تغيير حقيقي، والتزامنا بمبادئ الحوار والتفاهم هو الطريق نحو بناء يمن مستقر ومزدهر.
للكن للأسف الشديد أن خصوم ثورة فبراير يعرقلون تطبيق مخرجات الحوار الوطني في اليمن، وأصبحت هذه المخرجات تواجه العديد من التحديات التي تعوق تنفيذها، ومن أبرزها الانقسام السياسي الذي تفاقم بين القوى المختلفة، مما أثر سلبًا على التعاون اللازم لتحقيق الأهداف. بالإضافة إلى ذلك، تلعب التدخلات الخارجية دورًا مهمًا في تعقيد الأوضاع السياسية، كما أن الأزمات الأمنية المتصاعدة والصراعات المسلحة زادت من الفوضى، وعرقلت جهود السلام. تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد وضعف المؤسسات الحكومية أيضًا أسهما في صعوبة تطبيق المخرجات، فيما غياب الثقة بين الأطراف يزيد من التعقيدات.
لتعزيز الثقة بين الأطراف المتصارعة، من الضروري إنشاء منصات حوارية دورية تتيح للأطراف المختلفة التعبير عن مخاوفهم ومصالحهم، مما يعزز التفاهم ويقلل من التوترات. يجب الالتزام بالشفافية في العمليات السياسية والقرارات المتخذة، مما يساعد على بناء الثقة ويقلل من الشكوك. تنظيم مشاريع تنموية مشتركة تشمل جميع الأطراف يمكن أن يعزز الشعور بالانتماء، ويؤكد على أهمية التعاون. التركيز على القضايا التي تهم الجميع، مثل الأمن والتنمية، يعزز روح التعاون، ويشجع على التخلي عن الصراعات.
كما أن دعم المجتمع المدني وتعزيز دوره في بناء الثقة من خلال برامج التوعية والمشاركة المجتمعية، يسهم في دعم الحوار. اتخاذ خطوات ملموسة مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين أو وقف الأعمال العدائية، يمكن أن يخلق بيئة أكثر أمانًا للتفاوض. نشر الوعي حول أهمية التسامح والتعايش بين مختلف الأطياف يساعد على تقليل العداوات التاريخية وتعزيز الروابط الإنسانية. أخيرًا، يمكن الاستفادة من جهود الوساطة الدولية والإقليمية لتعزيز الحوار بين الأطراف، مما يقدم دعمًا حياديًا، ويسهم في بناء الثقة.