صنعاء 19C امطار خفيفة

خطط تقشفية في البيوت وحضور كثيف للفقراء والمتسولين في المحال والأسواق التجارية أكثر من الزبائن..

كيف يستقبل الناس الشهر الكريم في صنعاء وعدن؟

2025-02-24
كيف يستقبل الناس الشهر الكريم في صنعاء وعدن؟
رمضان في اليمن (صورة تعبيرية)

من عامٍ لآخر، تقل زحمة الأسواق مع قدوم رمضان في المدن اليمنية، وتتعاظم مظاهر التسول في كل مكان.

يشكو كثير من السائقين والمارة على السواء في شوارع وأرصفة مدينة صنعاء من كثافة المتسولين والمحتاجين الذين يتكومون في الجولات وعلى جوانب الطرق، ذكورًا وإناثًا ومن مختلف الأعمار.

"هذا ليس فقرًا فقط، ولا هو تسول... هؤلاء جياع".

هكذا يصف سائق تاكسي (م. ع. ق) في العاصمة صنعاء، التي تعيش أوضاعًا هي الأسوأ في تاريخها المعاصر.

بؤس وحاجة وفقر وبطالة وانقطاع مرتبات. وفي البيوت، هناك عوائل بانتظار ما تجود به أيدي المحسنين لجلب الطعام.

الكثير من الأسر اليمنية القاطنة في المدن يتوزع أفرادها صباح كل نهار في مناطق مشتتة من نواحي المدينة، سعيًا وراء أي إغاثات يومية لإطعام الأسرة.

الكثير من الأطفال تركوا المدارس، وباتوا يكدحون في أعمار مبكرة في الجولات، لتقديم خدمات: مسح فريم السيارات أو حمل قوارير المياه المثلجة وقت الظهر، ويطلقون رجاءاتهم للناس كي يشتروا منهم، وبعضهم يبكي.

آلاف الفتيات طوال ساعات النهار في الجولات يمسحن السيارات أو يبعن الكعك كوسيلة "تحفظ لنا ماء الوجه من التسول"، هكذا تقول تلك الفتاة (17 عامًا)، التي تحمل طبقًا مليئًا بالكعك وتعرضه على الركاب في جولة الرويشان بصنعاء، وبالجوار عشرات النساء يسمعن ما تقول ويبحثن عن إعانات.

تقول رانيا: "يتحرشون بنا على مدار اليوم ونحن جياع".

هذه المآسي هي إحدى أفدح مظاهر الانهيار متعدد الأوجه في اليمن.

ومع قدوم شهر رمضان، يتداعى الآلاف من الفقراء والمعدمين والمرضى وكبار السن إلى الشوارع بحثًا عن محسنين.

لم تعد هناك مظاهر شديدة الازدحام كما كانت عادة رمضانات السنين الماضية، حيث كانت الأوضاع المادية أفضل، عندما كانت العوائل تتجه إلى المحال التجارية لجلب متطلبات شهر الصيام.

تضاءلت الأمور بشكل رهيب من عام لآخر، ولا آمال لدى الغالبية الساحقة من اليمنيين بشأن انفراجة قريبة للبلاد.

"كلهم سقطوا، كلهم كاذبون، ولا تصلِّ على أحد منهم".هكذا يقطع أحد موظفي وزارة المياه، الذين انقطعت رواتبهم منذ سنوات، وقد طوقهم اليأس حد القنوط.

ويضيف تعليقًا على وعود حكومة الحوثيين بصنعاء قبل أشهر بشأن انتظام صرف نصف راتب لجميع موظفي القطاع العام: "هذا كذب على الذقون ومتكرر".

بعض المحال والمراكز التجارية أغلقت أبوابها بسبب الغلاء وضعف القوة الشرائية للناس، وقال أحد هؤلاء التجار، الذي كان يملك بقالة من ثلاث فتحات على ركن شهير في الخط الدائري (الشمالي) وأغلقها العام الفائت، وانتقل إلى دكان صغير (فتحة واحدة) على مسافة ليست بالبعيدة: "نحن أيضًا ضحايا الوضع القائم. انقطاع الرواتب ينعكس على كل شيء، بما في ذلك التجار أنفسهم. لقد أفلسنا، لا فائدة: إيجارات وملايين الديون لدى الناس، وأغلبهم موظفون بلا رواتب، وفي كل يوم ندفع إتاوات: ضرائب، نظافة، زكاة، تحسين، بلدية، مجهود حربي، دعم مدري إيش... تعبنا وفقرنا".

ويضيف الحاج ع. ش: "هناك الكثير مثلي من تجار المحلات التجارية أغلقوا أبوابهم، وبعضهم هاجروا".

عدن: الصرخات نفسها

لم يستطع التربوي الخمسيني قاسم عبد الجبار البدوي، من مدينة عدن (جنوب اليمن)، توفير كافة احتياجات أسرته، التي تستعد لاستقبال شهر رمضان الفضيل، وسط أوضاع معيشية متدهورة.

قاسم، الذي تأخر صرف راتبه من السلك التربوي، كغيره من موظفي الدولة، لم يكن متفاجئًا حين عاد إلى منزله بأقل من نصف الاحتياجات الرمضانية، حيث كان يتوقع هذا الارتفاع المهول في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.

ويرجع التربوي العدني توقعاته تلك إلى تدهور سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، والذي تسبب بارتفاع تاريخي في الأسعار، يقول قاسم لـ(النداء).

ويضيف: "لم نعد نسعى إلا لتوفير أساسيات البيت خلال رمضان، واستغنينا عن معظم الكماليات التي كنا نسعى لتوفيرها خلال السنوات الماضية، وهذا عكر علينا الاستمتاع برمضان ونكهته الخاصة".

قاسم يحصل على راتب شهري أكثر بقليل من 80 ألف ريال يمني (ما يعادل 36 دولارًا أمريكيًا)، بحسب أسعار الصرف في مدينة عدن، ما يعني أنه يجد صعوبة في توفير متطلبات وأساسيات رمضان.

ويستقبل أهالي مدينة عدن (جنوب اليمن)، ومحافظات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، شهر رمضان الفضيل هذا العام في ظل ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية مقارنة بالأعوام الماضية.

الاكتفاء بالضروريات

وفي هذا الصدد، يرى الباحث المهتم بالشؤون الاقتصادية، محمد العماري، أن هذا التدهور الاقتصادي أثّر بشكل مباشر على الأسر اليمنية الأكثر فقرًا واحتياجًا، وهم من يشكلون غالبية سكان البلاد.

وقال العماري لـ(النداء) إن الأسر اليمنية باتت أكثر حرصًا في إنفاقها؛ نتيجة كل هذا الكم من الانهيار المعيشي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الدخل؛ لذا أصبحت معظم الأسر تركز إنفاقها وتقصره على السلع الضرورية فقط.

وأشار العماري إلى أن ذلك يأتي في ظل أزمة الأمن الغذائي التي يعاني منها 21 مليون يمني، مشيرًا إلى تقرير صادر عن الأمم المتحدة تحدث عن أن 6.6 مليون يمني لا يحصلون على وجبة واحدة يوميًا.

تقليص الأولويات

في ظل غياب حلول حكومية فعالة، لجأت العديد من الأسر إلى وضع خطط تقشفية لمواجهة ارتفاع الأسعار، تمامًا كما فعلت أم رياض، سيدة عدنية خمسينية، التقتها (النداء) في أسواق عدن.

اضطرت أم رياض إلى تقليص أولوياتها من الاحتياجات، وأضافت لـ(النداء) أن ارتفاع أسعار الصرف المستمر جعل الوضع أكثر سوءًا، بينما لا تزال الرواتب كما هي منذ سنوات، مؤكدةً أنها التزمت بآلية شرائية تقوم على أساس الضروريات لا غير.

تراجع القوة الشرائية

ليس هناك من أحد يدرك حجم التراجع في القدرة الشرائية أكثر من التجار أنفسهم، بحكم ارتباطهم وتعاملهم المستمر مع المواطنين، حيث اشتكى أكثر من تاجر في أسواق عدن من تراجع الإقبال على الشراء بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المستهلكين.

ويشير التجار إلى أن أسعار المنتجات تضاعفت بشكل غير مسبوق، كما أن سعر الصرف غير مستقر ويتغير في اليوم الواحد أكثر من مرة؛ مما يجعل ملاك المحال والتجار في حالة خسارة مستمرة، بحسب تعبيرهم.

معالجات ممكنة

ويرى المواطنون أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، من الحكومة إلى القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لتخفيف العبء عن المواطنين، خاصة مع قدوم شهر رمضان الذي يتطلب زيادة الإنفاق على الاحتياجات الأساسية.

ويطالب المواطنون الحكومة ببذل جهود أكبر في تحسين قيمة العملة، معتبرين أن هذه المعركة هي المعركة الحقيقية للحكومة، كما عليها تشديد الرقابة على الأسعار؛ لأن بعض التجار لا يلتزمون بالتسعيرات المحددة.

 

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً