مازالت قضية تأجير حوش المؤسسة العامة للنقل البري (حكومية) تثير الجدل في مدينة عدن، باعتبارها قضية تطال المال العام، وإحدى أعرق مؤسسات القطاع الحكومي.
وأحدث تأجير حوش المؤسسة لأحد أقارب عضو مجلس القيادة الرئاسي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، ضجة مجتمعية، وسط اتهامات لقيادة الانتقالي باستغلال سيطرتهم على عدن وتجيير مقدراتها لمصلحتهم.
والمؤسسة العامة للنقل العام، مؤسسة حكومية عريقة وتاريخية، بدأت منتصف القرن الماضي، وامتد نشاطها بنفس الأصول التي تمتلكها حتى يومنا هذا، وربما قد تكون هذه العراقة هي من تسبب بكل هذا الغضب الشعبي والنخبوي بعد تأجير موقعها والعبث بها
ويعود تاريخ مؤسسة النقل البري في عدن إلى عهد الاحتلال البريطاني للمدينة، حين شهدت المدينة إدخال أول أسطول من الحافلات على يد رجل الأعمال (سالم عبده) في خمسينيات القرن الماضي، من خلال شركته التي أسسها (شركة الباصات العدنية).
وفي عام 1959 تحولت الشركة إلى شركة مساهمة، وحوّلت نظام عملها بنظام النوبات، واستقدمت الشركة باصات وحافلات جديدة لمواكبة الطلب المتزايد في مستعمرة عدن، وتوسيع خطوط سيرها.
وخلال ستينيات القرن الماضي عانت الشركة من سوء الطرقات في منطقتي الشيخ عثمان والقاهرة، والذي أثر على الحافلات، كما دخلت في صراعات نقابية مع العمال.
وبعد خروج الاحتلال البريطاني من عدن، تراجعت الشركة بعد أن أصبحت أصولها وحافلاتها متهالكة وعدم قدرتها على تجديدها، حتى صدر قرار جمهوري عام 1970 بتصفية شركة سالم عبده، وشركة الباصات العدنية، وتأسيس شركة الباصات اليمنية.
وكانت تلك الشركة مختلطة، تمتلك الدولة حصة 51 %، والقطاع الخاص 49 % هي قيمة موجودات وأصول شركة سالم عبده والباصات العدنية، وفي عام 1975 صدر قانون بتأسيس المؤسسة العامة للنقل البري، التي جمعت بين شركة الباصات اليمنية ومؤسسة الباصات في محافظة لحج، لتنشط في نقل الركاب بين محافظات جنوب اليمن، وعززت أسطولها بحافلات حديثة وشاحنات وسيارات أجرة.
ومازال أهالي مدينة عدن يتذكرون الباصات المجرية الصنع (إيكاروس) التي كانت تتميز بوجود محركها في الخلف، وهي التي تم استيرادها مستخدمة من الكويت عام 1976، بالإضافة إلى الباصات الهندية (تاتا)، والتي كانت تتسع لنحو 50 راكبًا.
واستمرت المؤسسة العامة للنقل البري بالعمل حتى ما بعد الوحدة اليمنية، في بداية تسعينيات القرن الماضي، وتم إضعاف وجودها عقب حرب صيف عام 1994، وتحول موظفوها وعمالها إلى (بطالة فائضة ومقنعة) بدون عمل.
بينما باتت أصولها من الحافلات والمواقع والمواقف العامة عرضة للإهمال والنهب والاستحواذ، ومرتعًا للفساد والاستغلال من النافذين والمستثمرين، بالاتفاق مع مسئولي الدولة، تمامًا كما حدث مع قضية تأجير حوش المؤسسة في دار سعد، بمباركة محافظ عدن وعضو المجلس الرئاسي.
وبعد أن أحدثت القضية هزةً مجتمعية كبيرة، تحرك موظفو المؤسسة مؤخرًا، والذين أحيل غالبيتهم إلى ما بات يسمى في مدينة عدن (البطالة المقنعة)، عقب توقف عمل وأنشطة المؤسسة منذ نحو عقدين ونصف، رغم امتلاكها أصولًا ضخمة.
حيث طالب الموظفون باستعادة أصول مؤسستهم التي توقف نشاطها، لصالح إفساح المجال أمام شركات النقل الجماعي الخاصة، التي غزت المدن اليمنية على حساب مؤسسة عريقة مثل مؤسسة النقل.
كما طالبت مصادر عمالية في المؤسسة، بمنح الموظفين -الذين يتقاضون مرتبات لا تسمن ولا تغني من جوع- أراضي المؤسسة المخصصة للجمعيات السكنية، واسترجاع أصول وأحواش المؤسسة، واستغلالها لصالح عمال وموظفي المؤسسة.
وفي هذا الصدد، يقول الصحفي فتحي بن لزرق إن المؤسسة العامة للنقل البري في عدن، هي آخر ما تبقى من الممتلكات الحكومية في المدينة، مشيرا إلى أن هذا الحوش الذي تم تأجيره أسسته بريطانيا وظل صامدًا لعقود رغم تقلبات الزمن والأنظمة السياسية.
وقال بن لزرق لـ"النداء" إن هذا الصرح يشهد الآن عملية جرف تهدد وجوده، معتبرًا أن هذه الصفقة تعكس تدهور الوضع في البلاد، حيث يتم تقاسم ما تبقى من ممتلكات الوطن بدلاً من العمل على بناء دولة قوية.
وأضاف أن الطامة الكبرى تكمن في أن الشخص الذي استولى على المكان ينوي إنشاء شركة للنقل البري في ذات الموقع، مما يزيد من القلق حول مستقبل مؤسسات الدولة.
من جانبه، انتقد الصحفي محمد المسبحي، ما وصفه بالفساد الذي يتفشى في عدن تحت مسمى "الاستثمار"، حيث أشار إلى أنه في عام 2021، تقدمت كهرباء عدن بطلب للمؤسسة المحلية للنقل البري لإنشاء محطة تحويلية في حوش النقل البري الواقع في قلب مديرية الشيخ عثمان، بهدف حل مشكلة الكهرباء في المنطقة التي كانت تعاني من ضعف شديد في الخدمة.
ولكن، وبحسب المسبحي، تم تحويل هذا الموقع إلى مشروع يخدم جماعات من المسؤولين لبناء محلاتهم التجارية الخاصة بدلًا من أن يكون مشروعًا يخدم المواطنين ويحل معاناتهم.
وأكد أن هذا التصرف يعكس غياب المشاريع التنموية الحقيقية في المدينة، حيث يتم التلاعب بالأراضي وبيع المصلحة العامة لصالح الأفراد على حساب المواطنين، واختتم المسبحي: إن هذا هو واقع عدن اليوم: لا مشاريع تنموية ولا خدمات، بل تقاسم للنفوذ ونهب للأراضي تحت مسمى الاستثمار.