صنعاء 19C امطار خفيفة

حرب على الحقيقه: عن تحديات العمل الصحافي في شمال اليمن

2025-02-12

في إطار إعداد هذا التقرير، أجرينا مقابلات مع خمسة صحفيين يعملون في مناطق يسيطر عليها الحوثيون، حيث أكدوا أن العمل الإعلامي أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى، مع تصاعد حملات القمع وانعدام أي شكل من أشكال الحماية القانونية أو المهنية، كما أن الوصول للمعلومات بشكل رسمي أصبح مستحيلًا، هذا إذا لم يعرضهم إلى الاعتقال أو الإخفاء.

 
"نحن في خطر دائم، لا يمكننا التنقل بحرية، ولا حتى التعبير عن آرائنا عبر الإنترنت"، يقول أحد الصحفيين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه. "نحن نعلم أن مجرد الحديث قد يكلفنا حياتنا، لكن إذا صمتنا، من سينقل الحقيقة؟".
في بلد أنهكته الحروب والصراعات السياسية، الحقيقة ليست مجرد كلمات تُكتب، بل معركة يخوضها الصحفيون كل يوم، في مواجهة آلة قمع لا ترحم، وتبقى الحقيقة هدفًا بعيد المنال، ومع كل جولة جديدة من العنف، يدفع الصحفيون والناشطون ثمنًا باهظًا لمجرد محاولتهم كشف ما يجري. ومع إعادة تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية من قبل إدارة ترامب، فإن تحديات جديدة من نوع آخر يعيشها صحافيو اليمن. أصبح العمل الصحفي في اليمن أشبه بالسير في حقل ألغام، حيث تتصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين، ليس فقط في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بل في مختلف أنحاء البلاد، مما يجعل توثيق الجرائم والانتهاكات مهمة محفوفة بالمخاطر. إلا أننا نركز في هذا التقرير عن الصحافيين الذين يعملون في مناطق سيطرة الحوثيين، ليس لأن باقي المناطق التي يسيطر عليها الانتقالي والحكومة الشرعية، تشجع العمل الحر، بل لفرادة الحالة وتأزم الوضع أكثر في هذه المناطق.
في إطار إعداد هذا التقرير، تحدثنا مع خمسة صحفيين يعملون في مناطق يسيطر عليها الحوثيون، أكدوا جميعًا أن الصحافة باتت مهنة محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى. حملات القمع تتصاعد، والقوانين غير موجودة لحماية الصحفيين، والحصول على المعلومات الرسمية بات شبه مستحيل، بل قد يؤدي إلى الاعتقال أو الاختفاء القسري.
 

الصحافة في مرمى الاستهداف

 
منذ اندلاع الحرب، تحولت مهنة الصحافة إلى كابوس مستمر للعاملين في هذا المجال. لم يعد الوصول ومعرفة الحقائق أمرًا مسموحًا به، وأصبحت التهديدات والمضايقات، وحتى الاعتقالات، جزءًا من الحياة اليومية للصحفيين المستقلين. في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تتخذ الانتهاكات أشكالًا متعددة، من حظر النشر والرقابة المشددة إلى الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري.
إطلاق سراح أربعة صحفيين يمنيين بعد اعتقال لثمان سنوات(RSF)
بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بين عامي 2015 و2020، تم تسجيل 357 انتهاكًا ضد الصحفيين، تراوحت بين الاعتقال والتعذيب والاغتيال. في أبريل 2020، حكمت محكمة حوثية بالإعدام على أربعة صحفيين بتهم ملفقة تتعلق بالخيانة والتجسس، فقط لأنهم مارسوا مهنتهم في نقل الأخبار. هؤلاء الصحفيون اعتقلوا تعسفيًا منذ عام 2015، وتعرضوا لظروف احتجاز غير إنسانية، في وقت كانت فيه المنظمات الدولية عاجزة عن التدخل.
وفي يونيو 2024، اختفى قسريًا عشرات الأفراد، من بينهم 13 موظفًا في الأمم المتحدة، وعاملون في منظمات غير حكومية، مما يعكس تنامي الشكوك الحوثية تجاه أية جهة خارجية. نقابة الصحفيين اليمنيين وثّقت بدورها 101 انتهاكًا بحق الصحفيين خلال العام الماضي، تنوعت بين الاعتقال، والتحريض، والمحاكمات الجائرة، والاعتداءات المباشرة على مقار وسائل الإعلام. ومن بين 1800 انتهاك تعرضت لها الحريات الصحافية في اليمن منذ العام 2014 وحتى نهاية العام 2024، ارتكب الحوثيون 1050 انتهاكاً منها، بنسبة 58.1%.
 
وفي يناير 2025، اعتقل الحوثيون ثمانية موظفين إضافيين من الأمم المتحدة، مما دفع المنظمة إلى تعليق جميع تحركاتها الرسمية في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. هذه الإجراءات خلقت مناخًا من الخوف بين الصحفيين وعمال المجتمع المدني، مما يحد بشكل كبير من حرية الصحافة وتدفق المعلومات. كما أن هذا مؤشر على استمرار هذه الانتهاكات بشكل متزايد وأكبر، إذ يسود مناخ الإفلات من العقاب، ومن جهة أخرى تتصدر جماعة الحوثي اهتمامًا إقليميًا وعالميًا يطغى على انتهاكاتها ضد اليمنيين.
 

السيطرة على السردية الإعلامية

 
لم يكن القمع الإعلامي في مناطق الحوثيين جديدًا، لكنه تصاعد بشكل ملحوظ بعد 7 أكتوبر 2023. تزامنًا مع انخراط الجماعة في الصراع الإقليمي، واستهدافها للسفن في البحر الأحمر، شددت قيودها على الإعلام المحلي والدولي. كل من يخرج عن السردية الرسمية يُعامل كخائن أو جاسوس.
المناخ القمعي وصل إلى حدّ أن مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قد يكلّف صاحبه الاعتقال أو الإخفاء القسري. عشرات الصحفيين اضطروا للتوقف عن العمل في الفترة الأخيرة، بينما بات الناشطون يخشون الإدلاء بأي آراء علنية، حتى على وسائل التواصل الاجتماعي. عدد من الصحافيين قالوا لنا إنهم لم يستطيعوا التضامن مع المعتقلين من زملاؤهم في ظل أجواء من الخوف والترهيب. تحاول جماعة الحوثي بهذه الطريقة فرض "حقيقة واحدة" لا يجوز المساس بها، تقصي كل الأصوات المعارضة، وتمنع أية سرديات بديلة، بهدف ضمان استمرارية التأييد الشعبي داخليًا، والاستفادة من الزخم الإقليمي الذي اكتسبته مؤخرًا.
 

ولاية ترامب الجديدة

 
في 27 يناير 2025، جمَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مليارات الدولارات من المساعدات الدولية حول العالم، بما في ذلك أكثر من 268 مليون دولار خصَّصها الكونغرس لدعم وسائل الإعلام المستقلة. وفق مراسلون بلا حدود، فإن هذا القرار سيُغرق العديد من المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والصحفيين، في فوضى عارمة وحالة من عدم اليقين.
يتأثر بهذا القرار عشرات المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية التي تدعم الإعلام المستقل، سواء بتمويل قصص معينة أو بتدريب صحافيين على مهارات مهنية في كامل اليمن.
وبشكل خاص، تأثر العمل الصحافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد قرار إعادة تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية في 22 يناير 2025، والذي أدى إلى تداعيات خطيرة على الإعلام المستقل والمنظمات الحقوقية، منها القيود المصرفية الجديدة التي صعبت تمويل المشاريع الإعلامية، ودفع رواتب الصحفيين، وتأمين المعدات اللازمة للعمل. بعد هذا القرار مباشرة، توقفت كثير من المؤسسات الصحافية والحقوقية الداعمة للإعلام الحقوقي التي تُمول من الاتحاد الأوروبي، عن العمل مع الصحافيين الموجودين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. عندما سألنا مؤسستين قالوا لنا إن هذا قرار صادر من الممولين، وليس بأيديهم إيجاد طريقة لحل هذه المشكلة.
بحسب فراس حمدوني، مدير برامج معهد دي تي، مدعوم من الخارجية الأمركية، فإن هذه القرارات تعد من أسوأ الخيارات، إذ تعقد عملية توثيق الانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين، مما يقوض الجهود الرامية إلى ضمان المساءلة والعدالة للضحايا. إن الاعتماد على التوثيق عن بعد يحمل نسبة خطأ مرتفعة، ويخلق فجوة في مصداقية المعلومات، مما قد يمنح الحوثيين فرصة لنسف كامل سجل التوثيق الذي عمل عليه الصحفيون والناشطون في الخطوط الأمامية على مدى سنوات. الصحفيون والناشطون الموجودون في هذه المناطق ليسوا مجرد ناقلي أخبار، بل هم شهود عيان على الانتهاكات الجارية، وهم الأقدر على التفاعل مع المجتمع المحلي، بما في ذلك أسر الضحايا والناجين، حتى وإن كان ذلك "سرًا". إقصاؤهم أو الحد من قدرتهم على العمل لن يؤدي إلا إلى تقليل حجم ونوعية المعلومات المتاحة حول الجرائم والانتهاكات المستمرة، ما يصب في مصلحة الجناة، ويضعف جهود المناصرة والمساءلة الدولية.
الانتهاكات التي يواجهها الصحافيون اليوم في اليمن، تنذر باستمرار النزاع دون أمل في انتهائه وحقن دماء اليمنيين. فمن جهة فرض الوضع الحقوقي في اليمن على الصحافيين أعباء توثيق الانتهاكات كمهمة أساسية، في ظل غياب منظمات غير حكومية محلية أو دولية مستقلة للتحقيق والتوثيق. وبالنظر إلى التوجهات السياسية الواضحة نحو المصالحة من جهة أخرى، فإن التركيز على كشف الحقائق حول الانتهاكات المرتكبة وتوثيقها ومشاركة الضحايا في عملية المصالحة، ضرورة، والصحافيون المستقلون يلعبون دورًا أساسيًا في هذا السياق.
إلا أنه في ظل هذه التحديات، تحولت مهمة الصحافة إلى معركة من أجل البقاء. لا يقتصر دور الصحفيين اليمنيين على نقل الأخبار، بل أصبحوا شهودًا على انتهاكات جسيمة، يتحملون مسؤولية توثيقها في غياب أية جهة قادرة على محاسبة المتورطين. ورغم القمع، يواصل الصحفيون توثيق الجرائم المرتكبة، حتى لا يُدفن صوت الضحايا تحت أنقاض الحرب.

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً