صنعاء 19C امطار خفيفة

سراب على حافة الأفق

الماضي شبح، يطوف بين الأزقة، يتقمص أصوات الذين رحلوا، يترك آثار أقدامهم على الطرقات، ثم يتلاشى مع الريح. نحن نحاول لمسه، لكن لا شيء في قبضة اليد سوى الفراغ. والمستقبل؟ سراب على حافة الأفق، نمدّ أيدينا إليه، فنُمسك بالوهم. نخطط، نرتب، ننتظر، لكنه لا يأتي أبداً كما تخيلناه. 
 
سراب على حافة الأفق
سراب على حافة الأفق
أما الحقيقة، فهي هذا الهواء الذي يدخل رئتينا الآن، هذه اللحظة التي تتنفس، هذا الصمت المعلّق بين انفجارين، بين قذيفةٍ تبحث عن بيت، وبين طفلٍ يبحث عن سماء. الحقيقة هي الآن، وهنا. 
 
في غزّة، لا وقت لترف الحنين، ولا متّسع للرهان على الغد. كل شيء يحدث في الآن. يفتح الجريح عينيه الآن، يبحث عن حياةٍ لم تُسرق منه بعد. تسير الأقدام الحافية على الإسفلت المحترق الآن، تبحث عن مأوى. يد طفلٍ صغيرة تُمسك بيد أمّه الآن، تتشبث بالحاضر خوفًا من الاختفاء. 
 
الآن… قمرٌ يتكئ على غبار الركام، عينٌ تسهر على جثة حُلم، ريحٌ تتسلل من خيام النازحين، وسماءٌ بلا نجوم، كأنها فقدت أهلها أيضاً. 
 
لا ماضي هنا، لأنه احترق مع البيوت، تحت الأنقاض. ولا مستقبل، لأنه معلّق على حافة الغيب. هنا، الحياة متجسّدة في كل ثانية. الألم الآن، الفقد الآن، النجاة الآن. لا شيء حقيقي سوى هذه اللحظة. 
 
فإن كنتَ في غزة، فلتعِش كما تعيش الحقول بعد العاصفة، كما تنبت زهرة من بين الحجارة، كما يتسلق الضوء جدران العتمة. لا شيء غير الآن… وهنا.
 
 

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً