صنعاء 19C امطار خفيفة

معركة الانتخابات الأمريكية: انقسام بنيوي

2025-01-25

توطئة أولية

 
ليس ما يميز الدولة الأمريكية في سياق حيويتها وفاعليتها وتماسك بنيانها، هو حداثة تشكلها بالمعنى التاريخي فحسب، بل الأهم من ذلك أن هذه الدولة، ومنذ الاستقلال وإعلان دستورها، قامت وتشكلت أطرها البنيوية والدستورية على مفاهيم حداثية معاصرة تعتمد الفكرة الليبرالية لرأس المال، الإطار البنيوي الناظم للمفهوم الاقتصادي للدولة.. كما تعتمد الديمقراطية وأدواتها والحقوق والحريات بما فيها الفردية والدينية والمواطنة المتساوية، الإطار البنيوي الناظم لمفهوم بنية الدولة السياسي والاجتماعي، أي أن الدولة الأمريكية تشكلت وفق معطيات ليبرالية حداثية دون أن تستند مدخلات تلك النشأة إلى جذر تاريخي قومي أو ديني أو ما شابه ذلك، يصوغ هوية الدولة لصالح قومية دون أخرى. فعند تأسيس تلك الدولة لا مكان أو وجود عن أسس ومنطلقات لقومية أمريكية بالمعنى التاريخي الموغل بالقدم. فالقومية الأمريكية بالمعني التاريخي والإثني العرقي، هي قومية الهنود الحمر التي لا دور أو وجود لها في تشكيل بنية الدولة، وبالتالي فإن المجتمع الأمريكي هو خليط عرقي من قوميات عالمية أوروبية وغيرها وافدة جديدة.. وكانت الدولة الأمريكية ونظامها السياسي الديمقراطي هي الحامل والإطار المستحدث لاستيعاب الأفراد والمجتمع بهوية حداثية ليبرالية لا ترفع أو تستند تلك الدولة لأي إطار بنيوي من أطر الهويات والقوميات للسكان الذين توافدوا إليها!
وبعبارات أدق، فأمريكا، دولة ومجتمعًا، هي نموذج معاصر عابر لأصل جذور المشكلات التاريخية والهوية التي تعاني منها بقية الشعوب، أي أنها خلاصة كل العالم في عالم جديد لا هوية له محددة مسبقًا بحكم التاريخ..! ولما كانت الدولة ومشروعها السياسي حال دون إعادة تشكل لهويات وقوميات السكان الجدد الأصلية، وصاغ هوية حداثية جامعة، هي هوية الدولة والتجربة هوية لا أساس فيها لهوية العنصر القومي الوافد، فإن ذلك الحال ساعد هذا المشروع في التماسك والانطلاق حتى سيطرا حضاريًا على الكوكب، لأنه لا يعاني من أي صراعات وطنية نابعة من الجذر والمسألة التاريخية، كما هو حال بقية شعوب العالم!
 

هل تيار ترامب يعد نشوءًا ليمين أمريكي متطرف على غرار الموجود في أوروبا؟

 
إنه، وعلى ضوء التوطئة السابقة، وكذلك باستقراء وتفكيك المرتكزات والأسس الناظمة لفكرة اليمين المتطرف، الموجودة في أوروبا أو بقية الأمم، نستطيع القول إن المجتمع الأمريكي والدولة لا يؤسس لأية بيئة لنشوء يمين سياسي متطرف، لأن فكرة اليمين المتطرف هي أساسًا وصف ينطلق على تيار سياسي يتبنى نزعة متطرفة معادية لإثنيات محددة، سواء كانت إثنيات عرقية قومية أو إثنيات دينية أو للمهاجرين الأجانب المقيمين بشكل مقونن، ويكون لدى هذا الحزب أو التيار تمسك متطرف بالقيم الوطنية وبالهوية السياسية والثقافية واللغوية! وبالتالي، وعلى ضوء هذا التوصيف الموضوعي، فتيار ترامب، وإن كان يدعو لإعادة إحياء التقاليد الأمريكية، والتمسك بالقيم التقليدية للمجتمع الأمريكي، لكنه لا يعادي أية مجموعات على أساس عرقي أو ديني، لأنه من حيث الأساس لا يوجد قومية أو عرق أمريكي أصلي، فالجميع وافدون من أصول وعرقيات مختلفة ذابت ابتداءً خصوصياتهم القومية الأصلية التي ينحدرون منها في هوية الدولة الأمريكية، وراكم الجميع أجيالًا من هذه الهوية الجديدة بعيدًا عن عرقيات أجدادهم التي ينحدرون منها... هذا من حيث القوميات، أما من حيث الإثنيات الدينية فإن أيديولوجيا فكرة الدولة فصلت الدين عن الدولة، وكفلت للجميع حرية المتعقد، وأصبح التنوع الديني في أمريكا لا يشكل امتيازات سياسية لإثنية دون أخرى، وإنما اعتبر ذلك تنوعًا إيجابيًا يثري التجربة، وبالتالي لا يمكن أن ينشأ في أمريكا يمين مسيحي متطرف يستعدي مثلًا المسلمين أو اليهود، مع أن تيارات من هذا القبيل موجودة في الواقع، لكن هذه التيارات المتطرفة لا يمكن أن تحصل على استحقاقات في السلطة والحكم على أساس معطيات توجهها المتطرف، وإنما عبر المشاركة والانخراط في أدوات فكرة الدولة ومنظومة الديمقراطية التنافسية.
ورغم هذه الثوابت في فكرة الدولة والمجتمع، فإن ثمة نزاعات متطرفة بدأت في الثمانينيات، ويتزعمها الآن ترامب، تقرأ في الواقع أنها تيار يمين متطرف أمريكي، بخاصة تطرفها في اتخاذ خطوات وقرارات مخالفة لأسس دستورية وثوابت دولة، منها مثلًا قرار ترامب بعدم منح الجنسية للمواليد الأجانب على أمريكا، رغم أن هذا الحق كفله دستور أمريكا، لكنه وبعد أقل من يومين، تتصدر المؤسسات العميقة للدولة في ضبط الأمر، حيث أصدر القضاء فورًا قرارًا بإلغاء هذا القرار.. ومهما كانت تلك السياسات والخطوات المتطرفة الموجودة في الواقع، والتي قد توحي بممارسات يمين متطرف في الحياة الواقعية، لكنها في جوهرها انعكاس حقيقي لانقسام في بنية اقتصاد ورأسمال الدولة والمجتمع! ولا يمكن أن تصبح تلك النزعات والأفكار والممارسات المتطرفة مستوعبة بشكل منهجي ضمن البنية القانونية والمؤسسية للدولة، إلا في حال انهيار الدولة!
 

تشخيص الصراع الأميركي

 
المعروف أن الرأسمال ونخبته هم من يمسكون ويتحكمون بصياغة الاستراتيجيات والسياسات العملية والخاصة بسياسة الدولة محليًا وعالميًا، من خلال انخراط هذا الرأسمال في لعبة الديمقراطية، وإنفاذ توجهاتهم عبر أدواتها. والمتتبع لطبيعة ومراكز ونخب الرأسمال الأمريكي في العقود الثلاثة الأخيرة، يتضح له أن تراكمات هذه الفترة قد أنتجت وأنشأت حقولًا وميادين استثمارية جديدة على البنية الاقتصادية، أهمها مجالات التقنية، ابتداءً من مدخلات الحوسبة، وانتهاءً بالذكاء الصناعي، هذا الحقل الجديد أوجد رساميل جديدة جبارة، وباتت تتفوق في المكنات والقوة والتأثير العالمي والاقتصادي على الرساميل التقليدية التي ترى في نفسها البانية لأمريكا وأساس قوتها، وهي من يجب أن تظل متحكمة، لأنها قوام أمريكا الصناعي والعمالي والضريبي و... الخ، كمصانع السيارات والسلاح وشركات النفط وتصنيع الطيران و... الخ من القطاعات التصنيعية ذات الأصول المالية والمادية الجبارة.
ففي الوقت الذي ترى فيه مثلًا شركة جنرال موتورز أنها تدفع مليارات الدولارات ضريبة للحكومة، وتشغل مئات آلاف من الأيادي العاملة والمهرة والخبراء والمصممين، وأن نفوذها في صنع سياسات أمريكا بات يتضاءل أمام رأسمال تطبيق إلكتروني مثلًا لا يملك 1% من الأصول المادية والقدرة التشغيلية البشرية من الأيادي العاملة لشركة كبرى تقليدية، وأن هذه التقنية الجديدة باتت تضع خدمات وطرائق لتبادل المنافع أكثر نجاعة مما تقدمه الشركات التقليدية، فإنه من هذه الأرضية بدأ نشوء ما يشبه الانقسام بين طبيعة الرأسمال التقليدي والمعاصر، وبات كل طرف يسعى لتوجيه سياسات واستراتيجيات القرار الأمريكي وفقًا لما يخدمه.
وحتمًا، فإن الاستراتيجيات، خصوصًا على صعيد السياسة الخارجية للمؤسسة الأمريكية التي تخدم الرأسمال الجديد، لا تخدم الرأسمال التقليدي، إذ كانت متطلبات ومقتضيات الرساميل الجديدة تحتم سحب النفوذ والتدخل الأمريكي من الداخل إلى كل دول ومجتمعات العالم التي أصبحت جميعها ميادين استثمار تقني لهؤلاء الجدد، في حين يرى الرأسمال التقليدي أن قوة أمريكا كما هو معهود أن تسحب وتجر الرساميل العالية إلى الداخل الأمريكي وبورصاتها وبنية أمريكا الاقتصادية.
وأمام هذا التباين تعمق الصراع بين فئتي رأسمال، حتى وصل في 2016 إلى ذروة الانقسام. هذا الانقسام يعد بطبيعته وبحكم مكونات الدولة، خطرًا يهدد الدولة والمجتمع، إذ إنه لأول مرة في تاريخ أمريكا تنسحب مثل تلك الصراعات الاقتصادية إلى بنية الدولة، بخاصة البنية الاقتصادية التي هي جوهر الفكرة، وبالتالي انقسام المجتمع تبعًا لهذا التباين، وهذا مستوى لم تصل له أمريكا من قبل، بخاصة وأن هذا الانقسام قد بات يحتم اختلاف ثوابت السياسة الخارجية لأمريكا، القائمة على أساس مبدأ المصلحة الأمريكية... هذه الوحدة كانت توجه بدورها محددات وأسس السياسة الخارجية، لكن المصلحة الأمريكية العليا اليوم باتت مختلفة تبعًا لاختلاف وجهة نظر طرفي رأسمال، لأن كلًا منهما ينظر لتلك المصلحة من زاوية ما هو في صالحه.
وأمام قوة تأثير الأدوات التقنية والذكاء الاصطناعي والتريليونات المستثمرة فيها، وقدرتها على التحكم بالعالم، وبالقرار السياسي لمؤسسة الحكم في أمريكا، تعمق الانقسام مع الرساميل التقليدية، وبات هؤلاء الأخيرون ينتهجون مسارات متطرفة لاستعادة السيطرة، ويجرون المجتمع عبر خطاب وتوجهات راديكالية إلى التخندق ضمن توجههم من خلال بث خطاب سياسي متطرف يدعو إلى الحفاظ على تقاليد أمريكا، وإلى استعادة هيبتها واحترامها في العالم و... الخ مما دشنه ترامب وتياره في حملته الانتخابية، وعبر عنه بقراراته الأولى بعد تنصيبه.
هذا الانقسام الاقتصادي تبعه، وبشحن خطاب سياسي متطرف، انقسام مجتمعي، وظهرت سلوكيات شعبية كانعكاس لذلك لأول مرة في التاريخ الأمريكي، كاقتحام الكونجرس ومحاولة اغتيال ترامب.. وأيضا قرارات وسياسات رسمية متناقضة لمؤسسة الحكم بين فترتي الحكم، متعلقة بالسياسة الداخلية، كالوثائق والأسرار الاستخباراتية للدولة، وتجيير مؤسسة القضاء ومحاولة استخدامها كأداة في الصراع، وقرارات إعفاء جنائي و... الخ، وأيضًا منها ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، بخاصة حول الصين وروسيا، والمنظومة الجمركية، بما يخالف اتفاقات التجارة الحرة، والموقف من الجماعات الإرهابية و... الخ. فهذه كانت ثوابت في السياسة الأمريكية، لكن أصبحت متغيرة اليوم تبعًا لانقسام رأسمال الأمريكي!
وعلى ضوء ذلك، فإن الدولة الأمريكية أمام متغيرات عاصفة سينتظر العالم مسارها إما بمعالجة تلك الاختلالات أو مشاهدة تعمق تلك الانقسامات وما يترتب عليها من اضطرابات ليس في أمريكا، إنما في العالم كله!

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً